رايات المحبة.. حكاية المولد النبوي في ليبيا عبر الأزمان

لقرون طويلة، كان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف “الميلود” أحد أهم المناسبات في ليبيا، ويكاد أن يكون أكثرها توثيقا وذكرا في المصادر التاريخية، وأغزرها تنوعا في تقاليد إحيائه وأشكال الاحتفاء به، التي تشمل كل طبقات المجتمع فيشهده الولاة والوجهاء والفقهاء والتلاميذ وعامة الناس، وتعم مظاهره الشوارع والزوايا والبيوت والأزقة وكل زاوية على طول البلاد وعرضها.

٢

تسجل توللي -وهي الكاتبة البريطانية المعروفة باسم “الآنسة توللي”، في كتابها “عشر سنوات في طرابلس” الذي دونت فيه مشاهداتها عن الحياة في طرابلس خلال العهد القرمانلي في أواخر القرن الثامن عشر، أن ليلة تشهد إقامة حفل ابتهاج كبير، وإيقاد النيران والمصابيح للزينة، في موكب يخترق شوارع المدينة، ويجتمع كل أطفال المنطقة للسير أمام المواكب يحملون الشموع المضيئة في أيديهم ويغنون المدائح النبوية، بينما منابر المساجد تعلوها كلها الأنوار والأضواء بكثرة.

وتشير توللي إلى أن الاحتفال يومها كان كبيرا، بعد فترة صعبة شهدتها طرابلس تحت وطأة الطاعون الذي أرهق المدينة وتسبب في وفاة كثير من سكانها وخفوت الاحتفالات في الأعياد والمناسبات لشهور، وفي هذا السياق، تأتي شهادة محلية مهمة من المؤرخ “حسن الفقيه حسن” صاحب “اليوميات الليبية” وأحد أبرز من دون الحياة اليومية في طرابلس خلال القرن التاسع عشر، إذ كتب في 12 ربيع الأول 1246هـ: “يوم المولد.. في العادة: يظهروا الحضاري ويزوروا، ويومها لم يززروا؛ وذلك لأجل للا الجهانية توفت ـ رحمة الله عليها”. والمقصود بـ”الحضاري” مواكب الطرق الصوفية، وتكشف هذه الإشارة المقتضبة كيف كانت طقوس المولد تتأثر بظروف المدينة، فقد ألغيت المواكب والزيارات هنا بسبب الوفاة والحداد على اللا الجهانية التي كانت شخصية محورية في المدينة ليس فقط كونها زوجة الباشا بل لدورها الاجتماعي والثقافي المهم في المدينة.

وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من أنها لا تصف المولد بوصفه طقسا دينيا محضا، بل ترسم صورة للحياة الاجتماعية التي أحاطت به: الطعام داخل البيوت، والأنوار في المجال العام، والأطفال في مقدمة المواكب، والمدائح في الشوارع، الحضاري والزوايا، والتأثر بظروف الحياة العامة، وبعد أكثر من ثلاثة عقود سنجد عند رحالة آخر، وفي أقصى الجنوب الليبي هذه المرة، عناصر احتفالية مختلفة في شكلها، لكنها تدور حول المناسبة نفسها، وهو ما يكشف مبكرا عن تجذر هذه المناسبة وتنوع التقاليد المحلية الخاصة بها.

فلا يقتصر الاحتفال بالمولد النبوي على مدينة بعينها، إذ تعم هذه الأجواء الخاصة كل مدينة وقرية على طول البلاد وعرضها، وقد صادف أن وقعت ليلة العيد سنة 1819 في تاريخ 29 ديسمبر، على عين الرحالة الإنجليزي والضابط جورج فرانسيس ليون، وهو ضابط في البحرية الملكية البريطانية ومستكشف ورسام، وصل إلى طرابلس أواخر سنة 1818 ثم رافق بعثة إلى فزان ودون رحلته في كتابه، وقد حضر “الميلود” في منطقة القطرون، وكتب عن ذلك يقول: “لما كانت الليلة هي ليلة المولد النبوي ، فقد كان كل شيء يبشر باحتفال رائع، وتجمعت بنات التبو الصغيرات يلبسن أبهى حللهن، وكن أنيقات جميلات..” وأسهب ليون في وصف الأزياء والحلي التباوي الذي ارتدته الصغيرات في ذلك اليوم.

كما سجل أشكالا مختلفة من احتفالاتهن، حيث كن يطفن مدينة القطرون طوال المساء في مشهد احتفالي بصحبة أمهاتهن، وسط أصوات الموسيقى التقليدية والغناء، قبل أن يتجمعن في منزل مجاور.

وفي الجفرة، يقدم الرحالة والأديب التونسي محمد بن عثمان الحشائشي، الذي جاب ليبيا في رحلته سنتي 1895-1896، شهادة مهمة من مدينة ودان، حيث أدرك المولد النبوي أثناء إقامته بها، وطلب منه أهلها أن يلقي كلمة بتلك المناسبة التي وافقت يوم الجمعة بعد الصلاة، ويصف المشهد بأنه “موكب لم يتخلف عنه إنسان من أهل البلد” ويكتب الحشائشي أن الناس اجتمعوا ليلا في الزاوية السنوسية وقد “أعدوا بها مبيتة حافلة تعظيما لشأن المولد النبوي الشريف”، ثم يصف ما كان يجري داخل الزاوية قائلا إنهم “يقرؤون القرآن العظيم وجانبا من الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام”. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أنها تنقلنا إلى داخل الزاوية نفسها، وتوثق احتفالات المولد في الجفرة أواخر القرن التاسع عشر التي كانت تجمع إلى جانب المظاهر العامة مجالس للقرآن والسيرة، في فضاء كانت الزاوية السنوسية مركزا رئيسيا.

أما إيفالد بانزة، وهو جغرافي ورحالة ألماني اهتم بدراسة شمال إفريقيا والشرق، وزار طرابلس وأقام بها أكثر من مرة في السنوات الأخيرة من العهد العثماني، لا سيما بين سنتي 1906 و1909، ثم أصدر كتابه (Tripolis)، يصف فيه المولد النبوي بأنه احتفال متوارث في المغرب الإسلامي، وأن الاحتفال به يبدأ منذ الصباح الباكر حيث يرتدي الرجال أفضل ما لديهم من ملابس… وبعد ذلك يتجمع الناس في الجوامع وكثير منهم يخرجون من هناك ثم يطوفون الشوارع وتنظر النساء إلى المسيرة الاحتفائية من فوق الأسطح، بينما يقف الرجال في صفين متقابلين ويشكلون حلقة وعندئذ يبدأ قرع الطبول الصغيرة والتصفيق بالأيدي ويترافق ذلك مع المدائح النبوية والأغاني الدينية، وأثناء ذلك تحمل الرايات وتنشر أقمشة طرزت عليها آيات قرآنية على شكل سرادق كما يسيرون جمالا مزينة بالأكاليل.

٣

ويصبح الاحتفال أكثر تفصيلا في كتابات النصف الأول من القرن العشرين عند جيوفاني بياتسا وهو مدرس وكاتب إيطالي عاش في ليبيا نحو ستة عشر عاما، وعمل منذ العام الدراسي 1921-1922 مدرسا ومديرا في المدارس الإيطالية العربية في تاجوراء وزوارة وطرابلس، وخلال إقامته جمع ملاحظات واسعة عن العادات والتقاليد والحياة الشعبية، وعن المولد، يضعه بياتسا على لسان الليبيين كيوم عيد عظيم جدا.

ويقدم بياتسا تفاصيل عن ليلة المولد، فيصف موكبا طويلا بالمشاعل يطوف شوارع المدينة، يحمل فيه بعض الرجال برميلا مشتعلا بمواد قابلة للاحتراق، بينما يحمل الأطفال والنساء الخميسة، وهي قطعة تراثية مغطاة بالورق الملون ومزينة بالأشرطة والزهور، تعلوها خمس شمعات، ويسجل أن الموكب كان يتحرك على أصوات المزامير والطبول، وأن الأطفال بعد انفضاضه يذهبون بما تبقى من شموعهم إلى بيوت أقاربهم للتهنئة، فتستقبلهم النساء بالزغاريد.

ولا تنتهي المناسبة بانتهاء ليلة الشموع، ففي صباح اليوم التالي يكتب بياتسا عن “طلوع الزوايا”التي تطوف الشوارع الرئيسية تتقدمها الرايات، أما في البيوت فيسجل عادة ما تزال شديدة الصلة بالمولد في ليبيا، وهي إعداد العصيدة بالرب، ويصفها بأنها تصنع من الدقيق والزبدة والعسل ورب التمر، ويقدم منها لأهل البيت وللأطفال الذين شاركوا في موكب الليلة السابقة، وهكذا يضيف وصف بياتسا إلى صورة المولد التي رسمها الرحالة قبله عناصر شديدة الخصوصية: الخميسة ذات الشموع الخمس، والقنديل، والزغاريد، وخروج الحضرة من الزاوية، والعصيدة بالرب، وغيرها من التفاصيل عن شكل المولد في ليبيا خلال عشرينيات القرن العشرين.

أما داخل المساجد والزوايا، فكان المولد يقوم على قراءة السيرة والمدائح النبوية وحلقات الذكر، وتكشف كتابات العلماء إلى جانب الصحافة الليبية في أواخر العهد العثماني عن رسوخ هذا التقليد، ففي شهر ربيع الأول كانت تقرأ قصة المولد النبوي والبغدادي وديوان الشيخ أحمد البهلول وغيرها من الكتب والدواوين، وكان “البغدادي” من أشهر النصوص المرتبطة بالمناسبة، وهو الاسم الذي عرفت به في ليبيا “القصائد الوترية في مدح خير البرية” لمجد الدين الوتري البغدادي، وهي مجموعة من المدائح النبوية التي انتشرت قراءتها في المساجد والزوايا حتى أصبح اسم مؤلفها عنوانا لهذه المجالس نفسها، وإلى جانبها حضرت المدائح المحلية، وفي مقدمتها ديوان العالم والمتصوف الشيخ أحمد بن الحسين البهلول، الذي ترك ديوانا واسعا في المديح النبوي ظل متداولا حتى يومنا هذا.

وفي المجمل، فقد كان المولد عبر الأزمان مناسبة استثنائية، وقد عبرت عن ذلك مقالة في صحيفة الكشاف الليبية سنة 1909 مباهية بحب الليبيين للمقام النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، قائلة: “امتازت الأمة الطرابلسية برفع شأن وتعظيم المولد الشريف واعتبر لديهم بأنه أكبر الأعياد فتراهم يحتفلون به احتفالات فائقة شائقة لم يكن لها مثيل على وجه البسيطة”

وقد ترسخت هذه المحبة والعادات طويلا، ويدون الحاج عبد الباقي الحسيني الجزائري، فر رحلته سنة 1959 أنه نزل في مدينة مصراتة ليلة المولد النبوي الشريف، وقد وصف الاحتفال حيث يخرج الشباب يجول في الشوارع بالمشاعل والشموع والدفوف، ويرددون أناشيدهم بمدح الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم تحركوا إلى بنغازي، حيث أقام بها أياما كانت المدينة تشهد فيه كل يوم حفلا في المسجد لختم المولد الشريف بقراءة مولد الشيخ العروسي.

هذه الشهادات التي تمتد على قرنين من الزمن، ورغم اختلاف مواقع أصحابها ولغاتهم ودوافعهم، فإنها تتقاطع كلها عند صورة واحدة، مولد نبوي لا ينحصر في مكان بعينه، بل يفيض من المسجد إلى الشارع والبيت والزاوية، ويحول الشموع والعصيدة والخميسة إلى لغة احتفالية بكامل مفرداتها .

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة