حصاد العام | فيضانات درنة.. الأسوأ عالميا في 2023، والكارثة الأكبر في تاريخ ليبيا

لم يكن عام 2023 عاديا بالنسبة لليبيين عموما وأهالي درنة بوجه خاص، إذ نزلت بها أكبر فاجعة في تاريخ البلاد، فلقد أصبح الليبيون على مدينة قسمتها السيول إلى شطرين، إلى جانب بحر وشوارع وأزقة مفجوعة بعدد كبير من الجثامين.

من اليونان إلى ليبيا
في 4 يوليو، تشكلت عاصفة دانيال في البحر الأبيض المتوسط قرب جزيرة كريت اليونانية، وقد كانت قوية نسبيا، إذ بلغت ذروة سرعتها 120 كيلومترا في ساعة.

ضربت العاصفة –في بداية الأمر- اليونان، ما تسبب في جريان السيول في بعض مدنها ومناطقها، مخلفة أضرارا مادية جسيمة.

وبعد أيام غادرت العاصفة باتجاه البحر المتوسط، بعدما ضربت اليونان بالدرجة الأولى، وبعض المناطق في بلغاريا بشكل خفيف.

نحو ليبيا
وفي هذه الأثناء، أعلن موقع “طقس العرب” أن العاصفة دانيال تتحرك بكامل قوتها نحو ليبيا متوقعا أن ثقلها سيرتكز في مدينة بنغازي، بعد مرور طفيف بسواحل المنطقة الغربية، وفق تقديراته.

وفي صباح الأحد 10 سبتمبر، شهدت مدينة مصراتة وبعض سواحل المنطقة الغربية هطول كميات جيدة ومتفرقة من الأمطار، سببت غرق بعض الشوارع والمناطق.

وفي خط ثابت يقترب رويدا من الساحل، توجهت عاصفة دانيال نحو المنطقة الشرقية لتضرب ابتداء مدينة بنغازي وبعض المناطق المجاورة.

الجبل الأخضر.. دانيال تضرب بعنف
بعد ساعات من الأمطار على بنغازي ومحيطها مرت بسلام، ضربت ذروة دانيال، عشية الأحد، مدينة البيضاء ومناطق الجبل الأخضر، وبدت دانيال في هذه المنطقة أعنف بمراحل من فترة مرورها في بنغازي والغرب الليبي.

وكان النهار يمر ثقيلا على البيضاء ومناطق الجبل، إذ أعلن مركز البيضاء الطبي خروجه عن الخدمة بعدما داهمته سيول أمطار دانيال، في حين أطلق أهالي مناطق الجبل القريبة من البيضاء اسغاثة بعدما أغرقت السيول طوابق أرضية وأولى بعدة مناطق، في حين حوصر كثيرون في بيوتهم بفعل السيول.

ومع حلول المساء، أدت السيول إلى وفاة نحو 150 شخصا غرقا في البيضاء ومناطق الجبل الأخضر، حسبما أعلنه مركز البيضاء الطبي في إحصائية نشرها بعد يومين من العاصفة.

لحظات ما قبل الفاجعة
وبينما كانت الأنظار تتوجه بقلق إلى البيضاء وجاراتها، استقبلت مدينة درنة في سكون أمطارا خفيفة ومتوسطة، أثارت بهجة الأهالي وسرور الأطفال.

ووسط مخاوف اشتداد الأمطار، شرعت بلدية درنة في إخلاء الأحياء السكنية المطلة على البحر، خشية ارتفاع مستوى سطح البحر، كما تم فرض حظر تجول من قبل مديرية الأمن بالمدينة.

وفي مدينة محظورة التجول، كان أهالي درنة والليبيون يتابعون ذروة العاصفة التي كانت تضرب مناطق الجبل الأخضر عبر شاشات جوالاتهم.

في حين لم يكن أحد يعلم أن حظر التجوال سيكون سببا في تعزيز الكارثة من جهة أنه لم يسمح للأهالي بمغادرة بيوتهم، بالإضافة إلى أن عمليات الإخلاء السابقة كانت تجلي السكان من خارج وسط البلاد إلى مناطق وسط البلاد، حيث تركزت الكارثة بعد ذلك.

الوادي يخون درنة
وفي هذه الأثناء، كانت السيول تجري في أودية الجبل الأخضر التي كان عدد كبير منها يصب في أودية مدينة درنة.

ومع ارتفاع منسوب المياه عند سد درنة، فاضت السيول عبر قنوات التصريف إلى مجراها الذي يمر عبر المدينة من واديها جنوبا إلى بحرها شمالا.

واستمرت المياه الفائضة في الجريان على مسار الوادي وصولا إلى بحر المدينة، وسط حظر تجول ومحاولات من قبل الأمنيين بتنظيف المسارات المسدودة تحت الجسور التي تربط المدينة شرقا وغربا.

وقبل أن تحل الفاجعة، بات الليبيون ليلتهم على صورة أن درنة تجري فيها السيول وتمنع فيها الحركة بناء على حظر التجول، غير أن الأهالي في درنة عاشوا ليلة هي الأطول في عداد تلك الفاجعة، لتكون الكارثة الأسوأ في تاريخ ليبيا.

إذ توجه كثير من سيول الأمطار التي ضربت مناطق الجبل الأخضر في نهاية المطاف إلى وادي درنة وصولا إلى سده الكبير الذي كان يقاوم طوال ساعات الليل الأولى.

وادي الناقة.. فاجعة غير مروية
وفي فاجعة غير مروية وقعت عند منتصف ليلة الاثنين 11 سبتمر لم تتناقلها وسائل الإعلام، ضربت السيول منطقة وادي الناقة التي تقع في المدخل الغربي لمدينة درنة، مسببة في وفاة عائلة كاملة من “آل دربي” إلى جانب انجراف جسر المنطقة وتضرر عشرات البيوت والمركبات التي دمرت بشكل كبير.

ووفق شهود عيان من المنطقة، وصل ارتفاع الموجة التي ضربت وادي الناقة إلى 40 مترا على الأقل، وسط ترجيحات بأن هذه الموجة أتت إثر ارتطامها بسد درنة الكبير ورجوعها إلى مسار وادي الناقة، وذلك قبل انهيار وتدفق المياه منه إلى وسط المدينة، كما أشار صالح الشلوي أحد الباحثين في مجال العلوم البيئية.

انهيار السدين ووقع الكارثة
ومع تدفق السيول وجريانها عبر قنوات التصريف من السد الأول الكبير إلى السد الثاني الصغير، انهار الأخير ليدفع موجة عالية من السيول ضربت المدينة.

وبينما كانت المدينة تعاني موجة انهيار السد الصغير، انهار سدها الكبير لتقتحم المدينة موجة عالية من السيول، وصلت الطابق الخامس في بعض المناطق، لتنهار عشرات المباني السكنية وستة جسور كانت تربط المدينة، إلى جانب تضرر مئات البيوت إثر غرقها.

ولم تكتف السيول بمناطق ذيل الوادي فقط، بل اجتاحت كافة أحياء وسط المدينة، من الكوي شرقا إلى المحوشة التي تعد قريبة من المدخل الغربي غربا، مخلفة حالة جنونية من الدمار والإغلاق، فلقد كانت بيوت تلك المناطق بين مجروفة لا أثر لها وبين مدمرة فوق ساكينها وبين غارقة وداخلها أهلها.

وقضى في تلك الدقائق الثقيلة آلاف من أهالي المدينة الذين لم تعرف حتى اليوم أعدادهم على وجه الدقة، وسط مطالبات أهلية متكررة بالكشف عن الأرقام الحقيقية.

اختفاء ربع المدينة
وبعد انحسار المياه التي باغتت المدينة إلى البحر، أصبح الناجون من الأهالي على مدينة تملأ شوراعها الجثامين، وعلى مدينة غاب نحو 25% من ملامحها.

وانهارت جراء الفيضان أكبر بنايات سكنية في مدينة درنة: عمارة العوامي، عمارة الأوقاف، عمارة بوزيد، عمارة الكواش، عمارة آل بوحمرة، وعشرات غيرها، ولم يوجد لها جميعا أثر حتى الآن.

في حين أفاد شهود عيان أن بعضا من هذه البنايات جرفها الطوفان كاملة دون أن تنهار إلى قلب البحر، وذلك لأن الموجة كلما تدفقت حفرت باطن الأرض.

وعاشت درنة يومها الأول مقطوعة عن العالم، إذ كانت السيول تجري حتى في محيطها كما في قلبها، ما عزلها عن العالم جغرافيا، إلى جانب أن الموجة تسببت في قطع شبكة الإنترنت وتغطية الاتصالات، ما عزلها عن العالم إعلاميا أيضا.

ولأن وديان درنة الجنوبية تتمتع بكميات أتربة كبيرة، فقد تعرضت بعض أحياء درنة إلى ما يشبه عملية الدفن الكامل، بفعل أن السيول جرفت الأتربة من قلب الوادي إلى وسط المدينة.

درنة تطالب بالقصاص
وفي عشية 18 سبتمبر، احتشد أهالي درنة في ميدان جامع الصحابة الذي كان شاهدا على فاجعة الوادي، للمطالبة بالقصاص من كافة المسؤولين المتورطين في وقوع الفاجعة من خلال ”إهمال صيانة الوادي“.

وطالب المحتجون بإسقاط عقيلة صالح، واتهموه بأنه “أحد أركان الفساد” في مدينة درنة، وأنه فرض عليهم الوصاية عبر تعيينه ابن أخته “عبد المنعم الغيثي” عميدا لبلدية درنة، وفق المتظاهرين.

وفور المظاهرات، غابت تغطية الإنترنت وشبكة الاتصالات عن مدينة درنة لعدة أيام، تزامنا مع القيام بحملة أمنية استهدفت اعتقال عدة أشخاص بتهمة المشاركة في المظاهرة.

فزعة خوت، وخذلان الدولة
تنادى الليبيون شرقا وغربا وجنوبا، فور ظهور فاجعة درنة إعلاميا، لإغاثة المدينة المنكوبة عبر تقديم الدعم المادي والمعنوي والغذائي.

وظهرت خلال تلك “الفزعة” معان أخوية، تلاحم خلالها أبناء الوطن الواحد في قلب المدينة الزاهرة التي طالما تمتعت بحضور خاص بين كافة الليبيين.

غير أن هذه التلبية لم تنعكس في أروقة السياسة، إذ يتهم أهالي درنة الحكومتين بالتقصير والتفريط في جانب مدينة درنة، سيما فيما يتعلق بملف الجثامين.

وحتى الآن، تنتشل درنة بشكل يومي، منذ الفاجعة التي مر عليها أكثر من 100 يوم، جثامين من البر أو البحر، آخرها خمسة جثامين على الأقل في شوارع المدينة إلى جانب انتشال كميات كبيرة من الرفات والأشلاء في البحر، وذلك خلال ديسمبر فقط.

في هذا الشأن، أكدت عضو رائدات حركة الكشاف بدرنة نجية عزوز، أن الأوضاع في المدينة مزرية، وأن معالمها قد تغيرت، مشيرة إلى أن “الصورة أبلغ من الكلام”.

وشددت عزوز على أن الأهالي يعانون من انقطاع المدينة، معتبرة ذلك مشكلة تطال كافة السكان، بما ذلك الطلاب الذين يلجأون إلى قطع مسافات سيرا على الأقدام بعد فقدانهم مدارسهم الأولى ومركبات أسرهم في فاجعة السير.

ولفتت عضو الكشافة إلى أن الطريق الوحيد الترابي الرابط بين ضفتي المدينة لا يلبي أدنى الاحتياجات المرورية، وأنها صعبة كذلك حتى على حركة المشاة ومرورهم، وفق قولها.

واعتبرت عزوز أن المدينة لم تلق من وعود الإعمار سوى إزالة ركام المباني المنهارة، مطالبة ببناء طريق أو جسر يربط شرق المدينة بغربها.

وختمت عزوز حديثها بالتأكيد على أن “المواطن في درنة منهار نفسيا وماديا ومعنويا”، مطالبة الدولة بوضع حلول جذرية وعملية وسريعة لحركة المرور بالمدينة.

في السياق نفسه، قال مدير مكتب الإعلام والتواصل بالهلال الأحمر درنة سالم النعاس إن انشطار المدينة إلى قسمين يعيق الحركة ويهدد العملية التعليمية في المدينة.

وناشد النعاس الدولة توجيه الدعم إلى هذا الملف، إلى جانب دعم الأطفال والأهالي المتضررين على الصعيد النفسي.

ووسط ذلك، قال عضو لجنة الأزمة بالمدينة حمد الشلوي إن درنة تعاني جراء انقسام الحكومتين “اللتين أهملتا المدينة”.

وشدد الشلوي على أن المدينة تحتاج بشكل ملح إلى إنشاء هيئة موحدة “تذوب فيها خلافات الحكومتين” مهمتها معالجة آثار الفاجعة.

وإلى اليوم وبعيدا عن ملامح الدولة، يتطوع أبناء درنة في حملات تنظيف شاقة تستهدف شوارع المدينة وبيوتها وأسواقها المدفونة تحت الطمي، بمعدات يدوية لا تكاد تقوى على هذه المهمة شبه المستحيلة أمام الأفراد، وسط تساؤلات دائمة عن دور الدولة واتهامات متكررة بالتقصير.

الوادي.. الرمزية والفاجعة
يمثل الوادي لمدينة رمزية وجمالية كبيرين، وطالما كان حاضرا في أشعار الأهالي وأغانيهم، وطالما كان وجهة الأهالي طوال العام، وسيما في شهر رمضان.

ويمتد وادي درنة تقريبا لنحو 70 كيلو مترا، تغطيه الأشجار المثمرة والنباتات العطرية من كل جانب، وتعد المنطقة المعروفة منه بـ”وادي الشواعر” أنها الأكثر عمارا والأشهر بالنباتات المثمرة، سيما الرمان والعنب والتين.

وتجري في هذا الوادي مياه رقراقة على الدوام، بفعل العيون التي تتدفق على طول الوادي، إلى جانب الشلال المعروف الذي يعده الليبيون مزارا سياحيا يمرون عليه حال قدومهم إلى المنطقة.

وهكذا كانت درنة مدينة سليلة للماء، ترقد من الجنوب على عيون المياه وتدفق الشلال، مرورا بالنباتات العطرية والأشجار المثمرة بالفواكه، وصولا إلى الشمال، حيث شواطئها الجميلة.

ووسط هذه الرمزية التاريخية، يتطلع أهالي درنة إلى المستقبل بكاهل تثقله الفاجعة وأوجاع الجثامين، يتساءلون دوما: هل تعود المدينة إلى سيرتها الأولى؟

Total
0
مشاركة
مقالات ذات صلة