ما الذي يفعله حفتر في الجنوب؟

ما الذي يفعله حفتر في الجنوب؟

في أكثر من مقال ذكرنا أن الحرب القادمة إذا كانت هناك حرب، وهو أمر بعيد وقريب الاحتمال معاً، فإنها ستكون في الجنوب، وسرعان ما بدأت الأخبار عن توجه سيارات عسكرية نحو الجنوب تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، بعد تصريح من المتحدث باسمه بأن هذه العملية تهدف لمحاربة الإرهاب وقوات المرتزقة في الجنوب.

اختلفت التحليلات بين من يراها خطوة للتحشيد والاستعراض بعد هزيمة حفتر في طرابلس، (من باب أنا هنا)، وبين من يراها جزءا من محاولة حفتر للسيطرة على الجنوب واستبعاد أي شخص ليس لديه ولاء لحفتر في الجنوب.

لكن لا يمكننا أخذ هذه الكلام على عواهنه، ولا يمكن التصديق بأن سياق الأحداث في ليبيا يجعل حفتر هو محور التحولات التي تشهدها ليبيا، لا يمكن إهمال الاستراتيجية الروسية في إفريقيا، ولا الأطماع التاريخية لفرنسا في جنوب ليبيا، ولا حجم القلق الذي يبديه حلف الناتو من تواجد قوات مرتزقة في الجنوب، و لا يمكن التصديق بإمكانية أن يسيطر حفتر على هذه الفسيفساء من الولاءات والمكونات الثقافية التي هي جوهر الجنوب وطبيعة تكوينه، الجنوب لا يمكن السيطرة عليه، الجنوب يمكن أن توفر له بيئة لدعم التعددية بداخله وتنميته على يد أبنائه فما الذي يفعله حفتر في الجنوب؟

للإجابة دعنا ندرك حقيقة جيواستراتيجية في ليبيا، وهي قوة الدفع في السيطرة بين الشرق والغرب، فالشرق بطبيعته الجغرافية يحوي قوة دفع نحو الجنوب، بينما في الغرب فقوة الدفع نحو الشمال أي نحو أوروبا، هذه الحقيقة التي يدعمها تاريخ طويل، وذكرها جمال حمدان في كتابه عن الجغرافية السياسية في ليبيا والدكتور محمد المقريف في كتابه تاريخ ليبيا.

هذا يفسر لنا لماذا فشل حفتر في مشروعه، فهو بعد أن طرد من طرابلس في محاولته الانقلابية الأولى التي نقلتها قناة العربية في فبراير عام 2014، انتقل إلى بنغازي، أي أن المشروع كان يستهدف طرابلس، لكنه فشل وهذا هو الفشل الأول، لكن انتقاله لبنغازي ربما كان فشلاً آخر لأنه أراد السيطرة على بنغازي ثم الانتقال لطرابلس، وهذا صعب تاريخياً، فإن الشرق سيجعلك تفكر في الجنوب سواء من طبيعة الطرق أو من الزحف العسكري وقدرته على توفير خطوط إمداد، لذا فإن الطبيعي في الأمر هو أن من يسيطر على الشرق يسيطر على الجنوب؛ لكن حفتر اختار بعد إلحاح من الإمارات ومصر السيطرة على طرابلس، ووافقت الولايات المتحدة الأمريكية على أن يكون الأمر سريعاً وخاطفاً.

لم ينجح الأمر، وثبتت الحقيقة التاريخية، وعاد حفتر مهزوماً، وتشكلت قوة سياسية بدعم دولي في الغرب الليبي، وعاد بندول المشهد السياسي ليقترب من الأوضاع قبل انقلاب حفتر، عجز سياسي وجمود في التحول الديمقراطي والاقتصادي، لذا فإن ما يقوم به حفتر الآن هو أشبه بما قام به في بنغازي من محاولة التوسع في الفراغات الاستراتيجية التي تحقق مطامع حلفائه، الحلفاء هم روسيا والإمارات.

حفتر يتجه للجنوب من أجل إيجاد نقاط اشتعال في الجنوب، تستطيع من خلالها روسيا أن يكون لها دور في أي مشهد سياسي، وأن تواجه روسيا حلف الناتو الذي اجتمع مؤخراً ليحد من التوسع الروسي، هكذا تحاول روسيا أن تستخدم حفتر في معادلتها ضد حلف الناتو. تبقى فرنسا هي الدولة الوحيدة التي تحاول أن تخالف الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في توجهاته، لذا كان لقاء الرئيس التركي والفرنسي في لقاء حلف ناتو الأخير من الأهمية بمكان، لأن السيناريوهات المتوقعة للجنوب هي إما عملية كبرى تساعد فيها الدول الغربية لإخراج المرتزقة عبر حكومة الوحدة الوطنية على غرار ما حدث في سرت إبان حرب تنظيم الدولة أو من خلال ضربات موجهة من حلف الناتو والقواعد الأمريكية في النيجر، وهذا يشبه ما حدث في سوريا حين قامت القوات الأمريكية باستنزاف قوات فاغنر من خلال ضربات محددة في الأماكن التي تنافس فيها روسيا الولايات المتحدة الأمريكية وهي المناطق النفطية في سوريا، أو أن حرباً شديدة ستندلع في الجنوب بين مجموع هذه القوى المتناقضة، حلف الناتو (تركيا والولايات المتحدة)، وروسيا، وفرنسا التي ستتخذ موقفاً غامضاً كما فعلت في حرب طرابلس.

كل هذا السياق يؤكد أن ما يفعله حفتر لا يخرج عن تلك المعادلات الدولية والتي تبرز تناقضاتها في الجنوب الليبي الذي هو الخاصرة الرخوة والأهم بالنسبة للعالم لأنها بوابة إفريقيا، بوابة لليورانيوم والغاز المسال، بوابة لأكثر من 500 مليون مستهلك في شمال إفريقيا وحدها، بوابة للمعادن وللموانئ والآثار والطرق الاستراتيجية في وسط إفريقيا، ومن وسطها لشرقها وجنوبها، ولمكافحة كل التحولات التي تشهدها القارة حالياً. إنها معادلة أكبر من حفتر ولا يمكنه التأثير فيها بمفرده.

كتبه | د.نزار كريكش