جنيف.. الفرصة الأخيرة قبل السقوط؟

جنيف.. الفرصة الأخيرة قبل السقوط؟

شهد شهر سبتمبر الجاري تحركات سياسية، هي الأكثر جدية منذ التحضيرات لملتقى غدامس الذي أفشله حفتر بهجومه على طرابلس في 4 أبريل 2019.

فبين 6 و10 سبتمبر انعقدت جولة مشاورات في مدينة بوزنيقة المغربية، بين وفدين من مجلسي النواب والأعلى للدولة، حول معايير وآليات تولي المناصب السيادية، أفضت إلى الاتفاق على استئناف الحوار في جولة ثانية كان مزمعا عقدها الأحد 27 سبتمبر، لكنها أجلت ليوم الثلاثاء لأسباب قيل إنها لوجيستية.

وانتهت في 9 سبتمبر الجاري مشاورات مماثلة جرت بجنيف بين أطراف ليبية، إلى توصيات ضمن “مرحلة تمهيدية للحل الشامل”، على رأسها إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية ونقلها مؤقتا إلى سرت، خلال مدة أقصاها 18 شهرا.

ورحبت الخارجية الألمانية بمخرجات محادثات سويسرا معتبرة إياها نجاحًا لدور وساطة الأمم المتحدة، في إحراز تقدم كبير نحو حل سياسي للصراع بالبلاد، فيما أعلنت البعثة الأممية في 12 سبتمبر وبناء على مشاورات جنيف والمغرب وبعد أسابيع من المحادثات المكثفة مع الأطراف الرئيسية الليبية والدولية، أنها ستطلق الترتيبات اللازمة لاستئناف مؤتمر الحوار السياسي الليبي الشامل، وهو ما أكده لاحقا نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق، من أن الأمم المتحدة والحكومة الألمانية تحضران لعقد قمة ليبية، على غرار مؤتمر برلين في 5 أكتوبر المقبل.

وبحسب ممثلة الأمم المتحدة بالإنابة في ليبيا ستيفاني ويليامز، فإن الحوار السياسي اكتسب زخما متجددا في أعقاب إعلاني وقف إطلاق النار المتزامنين الصادرين في 21 أغسطس عن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، فهل ستحافظ البعثة على نهجها السابق في عقد المؤتمرات بالوجوه نفسها، أم أنها ستعتمد على شخصيات جديدة؟

في قراءة للحوارات التي جرت حتى الآن سواء في المغرب أو سويسرا أو مصر، فإن الشخصيات التي تصدرت المفاوضات لم تشهد وجوها جديدة، من الطرفين مجلس النواب والأعلى للدولة، إذ ينتظر حضور خالد المشري جولة الحوار الثانية الثلاثاء في بوزنيقة، وقد يشارك فيها أيضا عقيلة صالح، أما الشخصيات التنفيذية والمتنفذة فلا تبدو ظاهرة في الصورة حاليا خاصة خليفة حفتر وفائز السراج الذي أبدى رغبته الصادقة في تسليم السلطة موفى أكتوبر المقبل.

وكشف عديد الشخصيات من سياسيين وناشطين، وجود تسريبات في قوائم المدعوين إلى مؤتمر جينيف أو برلين2، تؤكد حضور الكثير من الوجوه المستهلكة، رغم نفي البعثة الأممية، وأن هناك إرادة لإعادة تدوير الفاشلين، والذهاب بهم إلى مرحلة انتقالية أخرى، لن تنتج بحسب آرائهم إلا ما أنتجته المراحل السابقة.

غير أن محللين آخرين يعتقدون أن ما تمر به ليبيا في الآونة الأخيرة من احتدام أزمة الكهرباء والانتشار غير المسبوق لفيروس كورونا في شرق البلاد وغربها على حد سواء، وما شهدته المنطقتان من احتجاجات ومظاهرات تجاوزت حاجز الخوف خاصة في معقل الحاكم العسكري حفتر، كلها عوامل جديدة ستلقي بظلالها على تركيبة الحكام الجدد في المرحلة الانتقالية المقبلة التي سيكون من أوكد مهامها تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية قد يسبقها استفتاء على الدستور، ووضع قانون انتخابي، لاسيما بعد تأكيد البعثة الأممية أنها ستشترط عليهم التعهد بعدم المشاركة في أي استحقاقات بعد انتهاء مهامهم في الفترة الانتقالية.

وفي حوار لوكالة سبوتنك الروسية ألمحت ستيفاني ويليامز إلى هذه المعطيات، إذ قالت إن المظاهرات الغاضبة في الشرق والغرب والجنوب، “لا تمثل فقط ورقة ضغط على الأجسام التنفيذية الحالية من أجل الحصول على هذه الخدمات، بل أيضا المطالبة بحلول للأزمة القائمة وإنهاء للفترات الانتقالية المتعاقبة والانقسام المؤسساتي الذي تعاني منه البلاد”، مؤكدة أن الشعب “يمثل سياج الحماية الأول لأي حلول يتم التوصل إليها بالتوافق بين الفرقاء الليبيين”.

ولكن السؤال الذي يقض مضجع الحالمين بليبيا الديمقراطية الموحدة المستقرة، والذي يطرح في كل مرحلة حوار، هو موقع خليفة حفتر وموقفه، وهل يمكن تجاهله أو إخضاعه للحلول السياسية؟
ما هو مؤكد واقعيا أن حفتر فقد الكثير من تأثيره المحلي والدولي، بعد سقوطه في معركة طرابلس، وخروج المحتجين في معقل حكمه، لكن الواقع نفسه يثبت أيضا أنه ظل متحكما رغم ذلك في إنتاج النفط وتصديره، وأنه سمح بفتحه بعد حصوله على ضمانات باتفاق مع عضو المجلس الرئاسي أحمد معيتيق بحسب ما انتشر من أخبار، وبرعاية المصدر الأول للفاغنر روسيا، وتقول الأخبار على الأرض إن الدعم العسكري له من موسكو مازال متواصلا، وإن حفتر مازال في قلب مفاوضات سرت والجفرة بين موسكو وأنقرة.

لقد باتت ليبيا في المحصلة رقعة شطرنج، تنتشر فيها الملوك والبيادق وقطع أخرى كثيرة لكل فيها دور بحسب حجمه، كلما تحركت فيها قطعة تغير المشهد نحو مزيد من الصراع، والمشكلة لم تعد في من على الرقعة، فجميعهم طامحون في “كش مات” تنهي المعركة لمصلحته، بل في من يحرك كل تلك القطع وفي أدوارهم المتبادلة بحسب مصالحهم خارج رقعة ليبيا.

كتبه الصحفي منصف صولة