إنهم يدفنون الزهور في مصر

إنهم يدفنون الزهور في مصر

(إني أسمع أن هناك مليونين من الجنيهات تصرف في اليمن، هل تعرف معنى مليوني جنيه يومياً بالنسبة لمصر، معناه عشر قرى مصرية تدخلها الحياة، ومعنى ذلك أن حرب اليمن لو استمرت عاما واحدا فقط فإن هذا الشعب قد خسر كهربة كل الريف وإدخال الماء النظيف والكهرباء في كل بيت.. لا أدري يا زوجي العزيز إلى متى سنظل نحارب، نريد السلام، نلتقط أنفاسنا، ونبني بلدنا، إنني أشعر أننا ننظر إلى خارج الحدود قبل أن نرتب البيت المصري، إننا نحاول أن نفرض ترتيبنا على كل البيوت وبيتنا في حاجة إلى ترتيب…).

هذا ما كتبه “وجيه أبو ذكرى” في رسالة لزوجه عندما ذهب جمال عبد الناصر للقتال في اليمن، ومن يقرأ هذه الكلمات يشعر وكأن التاريخ يعيد نفسه يقول أيضاً (إني أعرف مدى ارتباطك بشخصية الزعيم، وهكذا كل دول العالم الثالث، أنا لا أرميك بالجهل إطلاقاً، أن فقط درست الشخصية الإنسانية وأستطيع أن أراقبها عن كثب… إن مصر في نظر العالم -أو هكذا يبدو-عملاقة، ولكن المصريين أصبحوا في داخلها أقزاماً، إن مصر ظلت عبر القرون عملاقة لأن من بداخلها عمالقة…).

ما يحدث اليوم ربما أخطر ومختلف عن مصر عبدالناصر، ربما تتشابه الشخصيات في الطغيان والجبروت فقد كان عبدالناصر يعتقل كل من يتحدث عن حرب اليمن أو يطعن فيها، وهذا ما جعله يهدد كمال الدين حسين وزير التعليم السابق في مصر ويقول له (اسمع يا كمال روح شوف الأول انت عملت إيه في التعليم.. وبعدين تعال اعترض.. أنت يظهر تعبان وأنا من رأيي أن ترتاح شوية…) وبالفعل ارتاح ووضع تحت إقامة جبرية بأمر من عبدالناصر. أرسلت مصر طائرات وأكثر من 50 ألفاً جندي من أجل أن يغطي عبدالناصر على فشل تجربته الوحدوية مع سوريا، والتي أنجبت حافظ الأسد الذي كان وبالاً على سوريا هو وعائلته إلى الآن…

المؤرخ الفرنس جان بيير كتب كتابه الرائع عن الدولة العميقة للدولة الإسلامية وقدم فيها أطروحته أنها أي -الدولة العميقة- في عالمنا العربي هي التي أنجبت تنظيم الدولة، فكل النظم العربية كما بيّن الكاتب حاولت أن تنشئ كتائب خاصة من بعد أحداث 11 سبتمبر من أجل محاربة الإرهاب، لقد استغلوا تلك الفرصة للتخلص من ربقة المؤسسات العسكرية وبدأوا في تشكيل الحرس الجمهوري والحرس الوطني والكتائب الخاصة كل حسب تسميته.

في مصر ظل الصراع بين النظام والدولة يؤثر على قوة مصر الاستراتيجية منذ عهد عبدالناصر حتى وصلت للحضيض في عهد السيسي، لم يعد لمصر وزنا استراتيجيا، فما الذي يجعل إثيوبيا واثقة من ضعف السيسي في ردوده على جموح إثيوبيا تجاه السد؟ ولم هذا الصمت السعودي والإماراتي تجاه هذا التهديد الخطير من إثيوبيا؟ إن السعودية عرفت كيف تجعل مصر تابعة لسياساتها وأن تبعدها عن قيادة المنطقة، وبذكاء شديد كما حدث للسعودية -بعد حرب اليمن مع عبدالناصر- أن تظهر مصر وكأنها دولة ضعيفة غير قادرة على الحسم في معاركها ومحيطها وهذا الذي سيحدث لو دخل عبدالفتاح السيسي إلى ليبيا.

في موطن آخر يقول “وجيه” عن الحرب إنها خاسرة وإن أعداء الثورة اليمنية الذين ثاروا على حكم الأئمة في اليمن يطبقون الأخشبين على صنعاء وأنه رغم الدعم المستمر من القاهرة إلا أن الواقع على الأرض كان بعكس ما تعتقد القيادة في مصر، يقول في رسالة أخرى لزوجه (إني لا أخاف الموت ولكني أرفض رفضًا باتًا العثور على جثتي بلا رأس وأنا على بعد آلاف الأميال من مسقط رأسي) وبيَّن كيف أن قوات صغيرة كانت تثير الرعب في الجيش المصري بعد أن تركهم الثوار اليمنيون يواجهون الموت، لقد كانت الخسائر أليمة جعلت وجيه أبوذكرى يجعل إهداء كتابه كالتالي ( إلى 20 ألف زهرة مصرية دفنت في سهول وجبال ورمال اليمن إلى 20 ألف أرملة مصرية عشن ومازلن يعشن بقسوة في سبيل اليمن، إلى الملايين من الشعب الصبور الذي يأكل الخبز الأسود، ويشرب ماءً ممزوجاً بالبلهارسيا ويعيش في نهاية القرن العشرين على لمبات غاز…)…

هل تغير شيء في مصر منذ ثورة يوليو؟ لم يتغير شيئا.. لماذا؟ لأن الخطيئة واحدة وهي أن النظام يسعى للبقاء ولو على حساب قوة الدولة الاستراتيجية ومؤسساتها التي هي عماد نمائها وتطورها، هذا الفصام النكد بين النظام والدولة لم يجعل من تلك المغامرات التي خاضها عبدالناصر أو أي رئيس من بعده سوى أداة لإضعاف الدولة المصرية وخروجها من المعادلة الاستراتيجية للمنطقة.

لقد أتقن السيسي هذا الدور ورهن مصر لأزمة الشرعية التي ظلت تحاصره في بداية انقلابه -ولاتزال- تلك الأزمة هي التي جعلته يضحي بكل شيء في سبيل البقاء في السلطة فوقّع على بناء سد النهضة ليدخل الاتحاد الإفريقي، ورهن السياسة المصرية بالمصالح السعودية كما حدث في تيران وصنافير، وبسياسات الإمارات في ضرب ثورات الربيع العربي من أجل أن يبقى في الحكم ولو على حساب مصر وقوتها الاستراتيجية. هذه المعادلة ليست بنشاز أو شاذة عن نمط السلطات الدكتاتورية فقد أشبعت بحثًا ودراسة في الحديث عن التحول الذي ينشأ في النظم الدكتاتورية وأدوات الدكتاتور في التخلص من خصومه بافتعال حروب خارجية، أو باستجداء معونات خارجية إذا أحس بضائقة مالية قد تجعل الرهط المفسد ينفض من حوله، أو أنه قد يلجأ لتلك الحروب لحفظ ماء وجهه كما فعل عبدالناصر بالتوجه لليمن للتغطية على ما حدث من الأجهزة الأمنية في سوريا بعد إعلان الوحدة معها.

إذا فهمنا هذه الثنائية فإن ما يفعله السيسي قد يجعله يدق آخر إسفين في قوة مصر الاستراتيجية، ويجعل جيشها يلعب دورًا وظيفيا في حروب المنطقة خاصة وأن السعودية والإمارات قد ظهرتا كحليف أمين لإسرائيل أو دولة الاحتلال. لقد فطن باحثون إلى التحول الذي يشهده الخليج ليكون بديلاً عن دور مصر التاريخي في القضية الفلسطينية والمداهنة التي مارستها السعودية والإمارات مع إسرائيل جعلت مصر تفقد تلك القيمة، وفي ظل أزمة الشرعية التي يشهدها السيسي فضلاً عن الأزمات الاقتصادية المتتالية وأزمة سد النهضة فإن السعودية والإمارات قد استطاعتا أن تحيطا بالسيسي وتجعله أشبه بكافور الإخشيدي الذي هجاه المتنبي في شعره بقوله:

نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها *** فَقَدْ بَشِمْنَ وَما تَفنى العَنَاقيدُ

صَارَ الخَصِيّ إمَامَ الآبِقِينَ بِهَ *** فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ وَالعَبْدُ مَعْبُودُ

لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ *** إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ

مخطئ من يظن أن المعركة في المنطقة بين أيديولوجيات دينية وعلمانية، أو حتى بين ثورة وثورة مضادة أو بين حكام ومعارضة… إنها معركة بين الحاضر والمستقبل بين من يريد استمرار ذلك الواقع الأليم الذي عاشته ومصر وغيرها من الدول العربية منذ ثورة يوليو وكذبة الوحدة والاشتراكية التي فرّخت نظمًا مستبدة لا تدرك السياسة إلا عبر الخصومة والصراع… إن ما يحيي مصر هم تلك الزهور التي يجب أن تعود للحياة… مصر التي التي في خاطري وفي دمي هي التي كانت قطب الرحى حتى في أوج قوة الدولة العثمانية، مصر بعلمها وثقافتها وروعة إبداع أهلها وقدرتهم على العمل والإنتاج… مصر باقتصادها القوى وشعبها المحب لأرضه هي القوة الاستراتيجية الحقيقة، أما هذه النظم العسكرية فليست إلا وبالًا يمنع ذلك العملاق من الانطلاق… الحقيقة التي تحدث في مصر هي أنهم يدفنون زهورها.

كتبه : د. نزار كريكش