الإليزيه يسقط سعيد في امتحان ليبيا

الإليزيه يسقط سعيد في امتحان ليبيا

خلال زيارته إلى فرنسا التقى الرئيس التونسي قيس سعيد عددا من أفراد الجالية التونسية بباريس، كان اللقاء في جو مشحون بسبب ما قيل إنه تدخل عنيف من قوات الأمن لتفريق المحتجين من معتصمي الكامور (مجموعة من شباب المنطقة بمحافظة تطاوين بالجنوب التونسي يطالبون بالتشغيل منذ 2017)، أحد الشباب قاطع الرئيس سعيد عندما بدأ الحديث باللغة العربية التي تعود التحدّث بها، وعاد بالتحليل إلى بداية الأزمة منذ 3 سنوات فقاطعه الشاب ويبدو أنه من سكان منطقة “الكامور” بالقول سيدي الرئيس: هاذي دوة فاضية، ادخل في صلب الموضوع، فرد عليه: نعم في صلب الموضوع ولكن النقاش انقطع بعد نوبة من الغضب أصابت الرئيس.

وبقطع النظر عن عدم لباقة الشاب في حديثه مع رئيس الدولة، فإن المستفاد من هذه الحادثة هو وجود معضلة في التواصل يعاني منها قيس سعيد منذ فوزه بالرئاسة العام الماضي، حيث أثارت كل خطاباته وحواراته الصحفية موجة من التأويل والتفسير بسبب غموض مضمونها، وكثرة تلميحاته وقفزه على الواقع وعدم الحديث في صلب الموضوع، تماما كما علق الشاب التونسي، إضافة إلى امتعاض عدد كبير من التونسيين من إصراره على التحدث بالفصحى في كل المناسبات ودون اعتبار أحيانا لمقام الحديث.

بالعودة إلى جوهر هذا المقال، فإن زيارة الرئيس التونسي إلى فرنسا التي بدأها الاثنين 22 يونيو الجاري، وما تخللها من تصريحات سواء من الجانب التونسي أو الفرنسي، قد أثارت الكثير من ردود الفعل، وباعتبار أن جدول أعمال الزيارة على رأسه الأزمة الليبية، بحسب ما رشح رمن معلومات، فإنّ ما قاله الرئيس سعيد، من أن “السلطة القائمة في طرابلس تقوم على شرعية دولية، ولكن هذه الشرعية الدولية لا يمكن أن تستمر، وهي شرعية مؤقتة، ويجب أن تحل محلها شرعية جديدة، شرعية تنبع من إرادة الشعب الليبي”، هو قفز على الحقائق فجميع الأجسام الحالية قد تجاوزت مددها، وشرعياتها مستمدة من اتفاق الصخيرات، وحتى مجلس النواب المنتخب قد تجاوز ولايته، هذا فضلا عن الطعن في شرعيته بحكم قضائي معلوم للجميع.

زيارة الرئيس التونسي لم يجن منها غير قرض بـ 350 مليون يورو والكثير من الحرج بسبب تصريح الرئيس الفرنسي في المؤتمر الصحفي المشترك من قصر الإليزيه من أنه قال للرئيس أردوغان “أن تركيا تلعب في ليبيا لعبة خطيرة، وتنتهك كل التزاماتها بموجب مؤتمر برلين” في ظل الدعوة الموجهة لقيس سعيد لزيارة أنقرة بعد زيارة أردوغان لتونس في ديسمبر العام الماضي، إضافة إلى غضب الأشقاء في ليبيا، حيث غرد رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري على صفحته بالقول: “رحم الله الرئيس الباجي قايد السبسي” في إشارة إلى رفضه لتصريحات سعيد وتذكيرا بمواقف الرئيس التونسي الرحل الباجي قايد السبسي من الأزمة الليبية ودعمه للثورة في 2011 وحنكته الديبلوماسية في التعاطي مع الملف الليبي، وفي مؤتمر صحفي عقده المشري لاحقا رد على تصريحات سعيد، بأن “الدستور الليبي لا تكتبه قبائل بل تكتبه سلطة منتخبة عن الشعب”، وأن شرعية حكومة الوفاق مستمدة من اتفاق الليبيين في مدينة الصخيرات وليست شرعية دولية، وعن إسقاطه للتجربة الأفغانية على الوضع في ليبيا قال المشري، إن أول جمهورية تأسست في البلاد العربية كانت في ليبيا، وإن القبائل لا تكتب الدساتيروفي ليبيا الآن دستور جاهزينتظر الاستفتاء عليه كتبته هيئة منتخبة تضم أساتذة وخبراء في القانون الدستوري.

وعلى صفحته بفسبوك قال رئيس حزب العدالة والبناء محمد صوان، إن “الرئيس التونسي قيس سعيد يفتقد إلى الحد الأدنى من المعرفة بالأزمة السياسية في ليبيا وتركيبة شعبها، وحديثه عن دستور يكتبه زعماء القبائل وإسقاطه للوضع الأفغاني على ليبيا أمر مثير للسخرية، إضافة الى المنطق الاستعلائي الزائف المفتقر إلى الدبلوماسية إزاء السلطة الشرعية، التي جاءت بناء على اتفاق بين الليبيين برعاية الأمم المتحدة ووفقا للإعلان الدستوري الذي لازال ينظم الحياة السياسية”.

وفي قراءة موضوعية لما يعيبه الليبيون على الرئيس سعيد من جهله بحقيقة الأزمة السياسية، فإنّ التقصير في تعريف قيس سعيد بتفاصيل الملف الليبي، محمول أيضا على ديبلوماسية حكومة الوفاق والسياسيين والمفكرين الليبيين، إضافة إلى ضعف الإعلام الوطني الليبي في الاهتمام بالشأن التونسي والتأثير في القوى السياسية سواء الحاكمة في تونس أو المعارضة، وخلق “لوبي” موال لثورة 17 فبراير باعتبار تونس الحديقة الخلفية لليبيا ولعدة اعتبارات أخرى ليس أقلها الروابط الاجتماعية العميقة بين الشعبين التونسي والليبي.

أما قيس سعيد الأستاذ الجامعي المختص في القانون الدستوري، والذي لم يعرف بأي نشاط سياسي لا قبل الثورة ولا بعدها، ماعدا بعض الاستشارات القانونية، فقد كان صعوده إلى الدور الثاني من انتخابات الرئاسة العام الماضي، مثار جدل كبير حول من وقف وراء حملته الانتخابية وكيف أمكنه الصعود على حساب شخصيات سياسية معروفة ومرموقة في المشهد التونسي، ومما زاد من حدة الغموض نفي سعيد نفسه أن تكون له حملة انتخابية أو أن تكون له أي تمويلات من أي جهة، غيرأن بعض الوجوه برزت من بين من سماهم سعيد الشباب المتطوع في حملته، وخاصة الشخص المسمى رضا لينين (شخصية غير معروفة، كان له نشاط في الجامعة التونسية ضمن التيار اليساري، حتى أنه لقب بلينين زعيم الشيوعية في الاتحاد السوفياتي السابق)، الذي يعده كثيرون مهندس فكر قيس سعيد السياسي.

وأغرب ما رافق تصريحات سعيد خلال الانتخابات وما بعدها، إنكاره لوجود برنامج انتخابي وإنما ينطلق من شعار “الشعب يريد” وفكرته أنّ المواطنين هم الذين يضعون البرامج وأن السلطة التنفيذية مهمتها التنفيذ، كما أنه يحارب الحكم المركزي باقتراح نظام سياسي لا يقوم على الأحزاب وإنما على تمثيليات محلية تتدرج في الصعيد إلى الجهوي ومن ثم انتخاب ممثلين عن كل جهة يسميه “الوكالة” التي يمكن سحبها من الناخبين كلما اتفقوا على ذلك، والمشكلة أن المنتخبين في المحليات هم أنفسهم الذين ينتخبون المجالس المحلية، وهو تصور شبيه في جوهره بمؤتمرات القذافي الشعبية، وهذا ما تنبه إليه المؤرخ الليبي محمد المجبري، حين قال: “صدمنا وصعقنا بالكلام الأخير لقيس سعيّد في فرنسا، نحن فرحنا يوم وصل قيس إلى السلطة بخطاب شعبي وعروبي دغدغ كثيرا قلوبنا وفرحنا باستقرار تونس، ولكن صدمنا بتلوّن هذا الرجل، كنا نعتقد أنّه رجل قانون دستوري ومختصّ، لأنّنا لا نريد شعبويّين كالقذافي، بلادنا 40 سنة دمّرت بالأفكار الشعبويّة كأفكار القذافي التي لا منطق لها ولا عقل”.

وبقدر الصدمة التي شعر بها الليبيون، يحس الشارع التونسي بخيبة أكبر في شخصية رئيسهم الذي طالما رأوا فيه مثالا لرجل المبادئ النزيه والذي صدح خلال مناظرات مرشحي الرئاسية بأنّ التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي خيانة عظمى، لكنه سقط في أول امتحان عندما اعتبر احتلال فرنسا لتونس حماية.

كتبه | الصحفي التونسي منصف فرحات