دراسة حديثة تقود إلى تفكيك رموز 626 علامة غامضة على بوابة توكرة الأثرية

كشفت دراسة حديثة عن قراءة جديدة لأحد أكثر معالم مدينة طلميثة غموضا، مئات العلامات المحفورة على حجارة “بوابة توكرة”، والتي ظلت لقرون علامات محيرة، قبل أن تكشف الدراسة أنها في الحقيقة نظام محاسبي ونقابي متكامل لعمال البناء في العصر الهلنستي.

الدراسة التي نُشرت في المجلة الأوروبية لعلم الآثار الصادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج بالتعاون مع الرابطة الأوروبية لعلماء الآثار، أعدّتها الباحثة البولندية آنا أورشولا كورداس من جامعة وارسو، وهي الجامعة التي تعمل بعثتها الأثرية في مدينة طلميثة منذ سنوات طويلة.

وتعد بوابة توكرة الجزء الأفضل حفظا من أسوار مدينة طلميثة الأثرية، وتحمل البوابة اسم مدينة توكرة لأنها تقع على الطريق الذي يقود إليها، وتعود جذور المدينة إلى القرن الرابع قبل الميلاد على الأقل.

كانت البوابة دائما محط أنظار الرحالة والمستكشفين، فقد سجّل الرحالة الفرنسي جرانجيه ملامحها لأول مرة سنة 1733، مفسرا العلامات المحفورة عليها بأنها تعليمات لترتيب الحجارة أثناء البناء، وبعد قرن، ربطها الرحالة الألماني الشهير هينريش بارت بأسماء متبرعين موّلوا كتلا حجرية بعينها، أما عالمة النقوش البريطانية جويس رينولدز فقد اعتبرتها لاحقا مجرد كتابات متأخرة لا علاقة لها بالبناء، تعود لأسماء شبان ارتبطوا بالنشاطات الرياضية “الجمنازيوم” المجاورة، وتعددت البعثات التي توالت على دراسة البوابة منذ الثلاثينيات، لكن أحدا منها لم يتوصل إلى تفسير حاسم لهذه العلامات.

رصدت كورداس 626 علامة موزعة على واجهات البوابة، صنّفتها إلى 27 نوعًا مختلفًا، وقسّمتها إلى فئتين رئيسيتين بحسب موقعها ومرحلة نقشها، الفئة الأولى علامات كبيرة وغير منتظمة، نُقشت على الحجارة قبل وضعها في مكانها النهائي، وتظهر أحيانًا مقلوبة، ما يدل على أنها أُنجزت في مرحلة القلع أو النقل من المحجر القريب، الذي يبعد أقل من 500 متر عن الموقع، أما الفئة الثانية فهي علامات دقيقة ومتقنة الحفر، نُقشت بعد استقرار الحجر في البناء وبعد تشطيبه، ولم تظهر مقلوبة أبدا، ما يؤكد أنها أُنجزت لتبقى ظاهرة بعد اكتمال العمل.

تقرأ الدراسة الحديث هذه العلامات كنظام تسميات حرفية اعتمد الحروف الأبجدية اليونانية الأولى، للدلالة على فرق عمل مختلفة إلى جانب رموز ومونوغرامات أكثر تعقيدا تحمل على الأرجح اختصارات لأسماء أصحاب ورش أو ممولين.

وتخلص كورداس إلى أن العمل في البوابة اشترك فيه ما لا يقل عن سبع فرق حرفية رئيسية، إضافة إلى أربع عشرة فرقة أو حرفيين إضافيين، عملوا بالتوازي على البرجين الشمالي والجنوبي للبوابة.

وتربط الباحثة الرموز المعقدة في المراحل المتأخرة من البناء بتغير في طريقة التمويل من العقود العامة الممولة من خزينة المدينة، إلى نظام تبرع طوعي من سكان المدينة لتمويل التحصينات، حيث يخلد اسم الممول على الحجر علنا، وربما في جو من التنافس بين المتبرعين عجل بوتيرة الإنجاز، وتخلص الدراسة إلى أن إعادة بناء البوابة تمّت في القرن الثاني قبل الميلاد، على الأرجح في عهد بطليموس الثامن.

واعتمدت الدراسة في الأساس على أرشيف تصويري جمعته البعثة الأثرية البولندية إلى طلميثة سنة 2006، أعادت كورداس معالجته حديثا لإنتاج مساقط رقمية دقيقة لجدران البوابة، رصدت من خلالها توزيع العلامات حجرا حجرا، لتتحول نقوش بوابة توكرة التي نظر إليها لقرون بوصفها لغزا أو زخرفة عابرة، إلى وثيقة اقتصادية واجتماعية مهمة عن تنظيم العمل في مدينة ليبية قبل أكثر من 2000 عام، وهي إضافة إلى سجل طويل من الاكتشافات الأثرية المتجددة في ليبيا، تذكر من جديد بأن التراث الأثري الليبي ما يزال أرضا خصبة لمزيد من الاكتشافات والدراسات.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة