درنة تفقد روضتها.. غضب بعد تحويل قبور الصحابة إلى ساحة معشبة

أثارت صور تظهر تسوية موقع مقبرة الصحابة بالكامل وتحويله إلى مساحة معشبة خالية، ردود فعل غاضبة بين أهالي المدينة الذين اعتبروه طمسا متعمدا لأهم معالم ورموز هوية المدينة، مطالبين الجهات المسؤولة باحترام تراث المدينة وتاريخها.

وقال الكاتب وعضو المؤتمر الوطني العام السابق عبد الفتاح الشلوي إن تسوية قبور الصحابة رضي الله عنهم وتحويلها لحديقة معشبة، فيه تعدٍ على حرماتهم، وطمس لهوية مدينة تعلق أهلها بسيرة وتضحية أولئك الرجال، كما طالب السلطة المعنية بمراجعة هذا القرار، الذي آثار حفيظة أهل درنة على حد وصفه.

وتعود قصة المقبرة إلى أواخر القرن الأول الهجري، حين فاجأت قوات بيزنطية الصحابي زهير بن قيس البلوي ومن معه في درنة في عدد قليل من الجند، فدارت معركة قُتل فيها زهير وأصحابه عن آخرهم، وفق ما ينقله ابن عبد الحكم في “فتوح مصر والمغرب” الذي يقول: “فخرج حتى إذا كان بدرنة من طبرقة من أرض أنطابلس، لقي الروم وهو في 70 رجلا، فتوقف لتلحق به الناس، فقال له فتى شاب كان معه: جبنت يا زهير، فقال: ما جبنت يا بن أخي، ولكن قتلتني وقتلت نفسك، فلقيهم، فاستشهد زهير وأصحابه جميعا، فقبورهم هنالك معروفة إلى اليوم”.

إلى جانب زهير استُشهد أبو منصور الفارسي وعبد الله بن بر القيسي، ويقول الشيخ مصطفى الطرابلسي في كتابه “درنة الزاهرة قديمًا وحديثا” إنه قد شُيّد لكل من القادة الثلاثة ضريح خاص به، بينما دُفن بقية الشهداء داخل مغارة مجاورة أُغلقت فتحتها وبُنيت عليها حجرة صغيرة تواجه مدخل المقبرة التي عُرفت باسم “جبّانة الصحابة”. ويذكر الكتاب أن أبا منصور الفارسي، الذي يدل لقبه على أصل فارسي، هو من أُطلق اسمه على الحي المجاور فعُرف بـ”سيدي بومنصور” بينما عُرف عبد الله بن بر القيسي، المنتمي إلى قبيلة قيس عيلان، محليًا باسم “سيدي الزوام”. كما يشير الكتاب إلى وجود بئر قديمة خلف الأضرحة تذكر الروايات المحلية أن المعركة دارت حولها.

وتعليقا على الجدل الذي أثارته التطورات الأخيرة، قال عضو منظمة الساقية للثقافة والفنون عطية الحصادي، إن الروايات لا تكتفي بإثبات وقوع المعركة واستشهاد أصحابها، بل تؤكد أيضا أن موضع قبورهم ظل معروفا ومتواترا بين المسلمين حتى زمن ابن الأثير، أي بعد أكثر من خمسة قرون من وقوع الحدث، وهو ما يمنح الموقع مكانة تاريخية راسخة.

وعبر قرون من الزمن، اكتسبت الروضة والمسجد المجاور لها أهمية بالغة في حياة الدراونة وهويتهم، وطالب الباحث والكاتب عبد المحسن البناني باحترام هذا الإرث الكبير، مبيّنا أن هذه المقبرة أو الروضة موجودة بالمدينة منذ 14 قرنا ويجب وضع هذا الأمر موضعا رفيعا من الاعتبار احتراما لأصالة المدينة وموروثها، وأضاف أنه ورغم أن مدينة درنة قد عرفت بأسماء وصفات كثير فإن الهوية الجامعة للمدينة تتأصل في اسمها (مدينة الصحابة) الذين تعطرت بهم وطيبوا ثراها.

ولم يكن قرار التسوية الأخير أول اعتداء يطال هذا المعلم. فقد تعرضت للهدم والتفجير من قبل جماعات متشددة، خاصة بعد سيطرة تنظيم داعش على درنة عام 2014، حيث شهدت المقبرة موجة جديدة من التخريب استهدفت معالم الأضرحة، ثم جاءت العاصفة دانيال في 10 سبتمبر 2023 لتضرب المدينة بعد انهيار سدّي بومنصور والبلاد، مخلّفة كارثة إنسانية، وتعرض مسجد الصحابة ومعالم أخرى لأضرار، وبينما كانت أعمال الصيانة في المسجد ومحيطه على يد “صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا” تقترب من نهايتها، فوجئ أهالي درنة بإزالة المقبرة بشكل كامل وتحويلها إلى مسطح أخضر محاط بالبلاط.

وقال عضو الجمعية الأهلية لحماية البيئة وتنسيق المدينة بدرنة، سالم البكوش، في منشور على صفحته: “إن من غير المفهوم أن يستجيب القائمون على الإعمار لمطالب تهدف إلى طمس أحد أهم المعالم التاريخية في مدينة درنة، والمتمثل في مقابر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما يتم تجاهل رغبة شريحة واسعة من أبناء المدينة في الحفاظ على هذا الإرث التاريخي والديني وإبرازه”، ويرى كثيرون أن من يقف وراء مثل هذه القرارات هو التيار المتشدد الذي يحكم قبضته على المؤسسات الدينية في المدينة، ويحظى بنفوذ واسع لدى السلطات في شرق ليبيا.

وشكك نشطاء وباحثون في الرواية التي يتداولها البعض لتبرير التشويه والطمس، والتي تحدثت عن جرف مقبرة الصحابة بالكامل خلال الفيضان، مؤكدين أن قبور الصحابة لم تجرف، وأن ما تعرضت إليه كان أضرارا جزئية طالت محيط المقبرة والمسجد لا القبور نفسها، مطالبين بإعادة بناء الروضة واحترام رفات الصحابة.

ما جرى في مقبرة الصحابة يمثل حلقة جديدة في نزيف طويل تتعرض له المواقع الأثرية والتاريخية في ليبيا، وسط محاولات طمس طالت المعالم الأثرية الإسلامية بشكل خاص، إذ تعرضت مئات المساجد والزوايا والأضرحة والمقامات لأعمال تدمير وتفجير متعمدة من قبل تيارات متشددة، وازداد الأمر تعقيدا بتغول بعض هذه التيارات داخل مؤسسات أمنية وعسكرية حساسة، مما وفر لهم إفلاتا مستمرا من المحاسبة، وفي وقت ما تزال فيه مدينة درنة تحاول التعافي من جراح العاصفة دانيال، وتحتاج فيه إلى من يحمي ما تبقى من ذاكرتها، تستيقظ المدينة على مزيد من محو المعالم والرموز.

المصدر: ليبيا الأحرار

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة