موجة حر مؤقتة أم مناخ جديد.. ماذا ينتظر ليبيا في العقود المقبلة؟

أثارت موجة الحر الأخيرة التي ضربت ليبيا ضمن دول عدة في المنطقة نقاشات واسعة حول قدرة هذه الدول على مواجهة أزمات مماثلة في المستقبل، وفي تقرير لها، قالت وكالة بلومبرغ إن موجة الحر الأخيرة دفعت شبكات الكهرباء الهشة في دول شمال أفريقيا إلى حافة الانهيار، وبينما تتراوح درجات الحرارة نهارا بين 40 و47 درجة مئوية في معظم المناطق، تشهد مدن ليبية عدة انقطاعات طويلة للكهرباء وأعطالا في إمدادات المياه، وقد أعلنت بلديات عطلات استثنائية، في حين عادت أصوات المولدات لتنشر ضجيجها في شوارع المدن الرئيسية، وتثير موجة يوليو تساؤلات عن شكل الحياة في ليبيا إذا أصبحت موجات الحر الحالية أكثر تكرارا وأطول مدة في ظل التغير المناخي.

يقول تقرير المخاطر المناخية الصادر عن مجموعة البنك الدولي عام 2025، إن متوسط حرارة البلاد ارتفع بنحو 0.25 درجة مئوية في كل عقد بين عامي 1971 و2020، مع تسجيل الزيادة الأكبر في مناطق الشمال الغربي، وهذا يعني أن موجات الحر تقع اليوم في ظل متوسط أصبح أكثر حرارة بالفعل، بما يرفع احتمال بلوغ درجات أكثر تطرفا ويزيد الضغط على المواطنين والبنية التحتية، وبحسب التقرير نفسه، قد يرتفع متوسط الحرارة السنوي في ليبيا من 22.2 درجة خلال الفترة 1995–2014 إلى قرابة 24 درجة خلال فترة 2040–2059، لكن المتوسط السنوي لا يوضح الخطر كاملا، لأن الاحترار المتوقع سيكون أشد خلال الصيف، وقد يصل متوسط أعلى درجات الحرارة اليومية المسجلة خلال فصل الصيف إلى نحو 46.62 درجة.

ويتوقع تقرير البنك الدولي أن يتضاعف عدد أيام يونيو التي تتجاوز فيها الحرارة 40 درجة، من نحو 5 أيام تاريخيا إلى نحو 11 يوما بحلول منتصف القرن. أما الأيام التي تتجاوز 42 درجة فقد ترتفع من معدل أقل من يومين إلى أكثر من 5 أيام، وفي أغسطس، قد تزيد الليالي التي لا تنخفض فيها الحرارة عن 26 درجة من أقل من ثلاث ليال إلى 14 يوما، وهنا يظهر تحد آخر، وهو استمرار الحرارة ليلا، ما يحد من القدرة على التعافي بعد ساعات النهار.

وفي بلد تنهشه الأزمات السياسية والاقتصادية مثل ليبيا، لا تكون الحرارة أزمة طقس فقط، بل أزمة كهرباء ومياه وخدمات، وقد أعلن جهاز النهر الصناعي أن انقطاع الكهرباء يخرج 143 بئرا عن الخدمة في حقلي السرير وتازربو، في وقت تعاني فيه الشبكة الكهربائية من الأعطال وعدم استقرار الإمدادات، وسط اتهامات بالفساد باتت تتداول على أعلى المستويات، ومطالبات بالتحقيق والمحاسبة لا تجد صدى في الواقع حتى الآن.

ولا تنحصر التوقعات المناخية في أن ليبيا ستشهد الجفاف والحرارة فقط، يشير تقرير البنك الدولي إلى احتمال تراجع متوسط الأمطار على المدى الطويل خصوصا في الشمال ذي المناخ المتوسطي، لكنه يتوقع في الوقت نفسه أن تصبح بعض أحداث المطر الشديد أكثر تكرارا ما يجعلنا أمام فترات جفاف أطول، تتخللها أمطار مركزة وعنيفة قد تتحول إلى سيول وفيضانات، مثل ما حدث في درنة وغات وغيرها من المناطق، ويزداد الأمر سوءا مع التوسع العمراني العشوائي وغياب المخططات للمدن، وضعف شبكات تصريف المياه وضعف الرقابة على سلامة السدود والبنية التحتية.

كما ستواجه الزراعة المتدهورة أصلا في ليبيا بسبب التوسع العمراني الذي قضى على مساحات زراعية شاسعة، والأزمات المتعلقة بإدارة الزراعة في البلاد، وآخرها قضية المبيدات المحظورة التي كشف عنها مكتب النائب العام، وسيواجه هذا القطاع في المستقبل ضغوطا متزايدة بسبب الحرارة والتبخر وزيادة الحاجة إلى الري، وقد تنكمش المساحة التي تحتفظ بخصائص المناخ المتوسطي والأمطار المهمة للزراعة، بينما تتوسع ظروف الجفاف والتصحر.

ويرى خبراء أنه لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة لموجة الحر على إعلان العطلات أو إصدار التحذيرات، بل يجب أن تشمل إستراتيجية واضحة طويلة المدة، بما في ذلك تقوية الشبكة الكهربائية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر خاصة ضد الحرائق والسيول، ووضع خطط صحية لموجات الحر، وتحسين كفاءة المباني وأساليب البناء، وحماية منظومات المياه، ومراجعة تخطيط المدن والسدود وشبكات التصريف.

وقبل أيام، أطلقت ليبيا رسميا إطارها الإستراتيجي للمناخ تحت اتفاق باريس، ويضم أول مساهمة وطنية محددة وخطة وطنية للتكيف حتى عام 2045 وما بعده، وتتضمن خطة التكيف 14 أولوية تشمل المياه والزراعة والصحة والبنية التحتية والتنوع الحيوي والحوكمة، كما يفترض أن يساعد الإطار في جذب التمويل وتحويل هذه الالتزامات إلى مشروعات واستثمارات، لكن الأزمات المناخية المتكررة في البلاد تخبرنا بأمر واضح، إذا لم تتحول تلك المقترحات والخطط إلى مشاريع ملموسة على الواقع، فإن حر السنين القادمة لن يرحم أحدا.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة