أعلنت البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا، يوم الخميس الموافق 16 يوليو 2026، عن كشف أثري جديد تمثل في العثور على مسرح أثري يطل مباشرة على البحر، إلى جانب إعادة اكتشاف مضمار سباق يوناني ومجمعات دينية بمدينة أبولونيا التاريخية، وتمثل الاكتشافات والحفريات الأخيرة، محطة مهمة في مسيرة البحث والتنقيب المستمرة، والتي قد تسهم في إعادة قراءة تاريخ المنطقة وتطورها عبر العصور الكلاسيكية المختلفة.
وقد جرى هذا الإعلان في موقع الاكتشاف بمدينة سوسة بحضور نخبة من المسؤولين المحليين وممثلي الجهات المختصة، وحضر الإعلان عن البعثة الأثرية الفرنسية مديرها أ. فينسنت ميشيل وعالم الآثار الفرنسي جان سيلفان كايو، إلى جانب أعضاء مصلحة الآثار الليبية، د. محمد فكرون وأ. أحمد عيسى، إلى جانب ممثل عن وزارة السياحة والآثار، ورئيس مراقبة آثار شحات، كما شارك في اللقاء ممثلو مكتب آثار سوسة، ومنظمة أبولونيا للتراث والثقافة، بالإضافة إلى منتسبي كشافة سوسة.
وفي بيان لها، أوضحت مراقبة آثار شحات أن المسرح الأثري المكتشف حديثًا يقع خارج أسوار المدينة الأثرية، وقد ظهرت نتيجة لأعمال التنقيب الجارية ضمن الموسم الميداني الحالي للبعثة الفرنسية، وأكدت المراقبة أن أعمال الحفر والتنقيب والدراسة ما تزال متواصلة لتحديد التأريخ الدقيق للمسرح ورصد مراحله المعمارية وفهم وظيفته وعلاقته بالبناء العمراني العام للمدينة، مبينة أن طبقات الردميات المكتشفة حتى الآن لا تزال محدودة المحتوى من اللقى الأثرية، وهو ما لا يسمح بإصدار استنتاجات علمية نهائية في الوقت الحالي، بانتظار ما ستسفر عنه مواصلة الأبحاث المتخصصة.
وتكمن أهمية الكشف في أنه قد يعيد رسم حدود أبولونيا وفهم تنظيمها العمراني، خاصة مع وجود المسرح خارج الأسوار. كما يكشف مضمار السباق والمجمعات المقدسة عن تنوع الفضاءات العامة والدينية في المدينة، ويمنح الباحثين صورة أوسع عن حياتها الاجتماعية والثقافية.

ويعيد الكشف الجديد إلى الواجهة، الأهمية التي تتمتع بها أبولونيا، أو “سوسة” كما تُعرف اليوم إلى الواجهة، وقد نشأت المدينة في الأصل كميناء لمدينة قورينيا “شحات” الأثرية الشهيرة، لتلبّي حاجتها إلى نافذة بحرية تربطها حضاريًا وتجاريًا وبالعالم الخارجي، ويظهر هذا الارتباط الوثيق في النصب التذكاري الشهير المكرس للنصر البحري القائم في الرواق الشرقي لقوريني، والذي يُرجح أن بطليموس الثالث قد أقامه بين عامي 246 و241 قبل الميلاد. وبمرور الزمن، تطورت أبولونيا لتصبح مدينة مستقلة بذاتها، مستمدة اسمها من “أبولو”، لتبدأ مرحلة ازدهارها الفعلي اعتبارًا من عصر “ماجاس” في الفترة ما بين 300 و250 قبل الميلاد.
وقد واصلت المدينة نموها الحضاري والسياسي لتصبح في القرن الأول الميلادي إحدى المدن الخمس الكبرى في الإقليم (البينتابولس) وفقًا لجغرافيا بليني الأكبر، وشهدت أحداثاً سياسية بارزة كوصول القائد الروماني ماركوس توربو لإعادة الاستقرار للمنطقة، وتلقي دعمًا من الإمبراطور هادريان الذي ساهم في إعادة بنائها ووصفه السكان بالمؤسس في نقوشهم. وبلغت أبولونيا أوج مجدها الإداري في منتصف القرن الخامس الميلادي عندما تحولت إلى عاصمة لإقليم قورينائية بالكامل تحت الاسم البيزنطي “سوزوسا”، لتصبح مقرًّا للحكام البيزنطيين المتعاقبين، وحتى عهد آخر حكامها “أبوليانوس” قبيل مرحلة الفتح الإسلامي للمنطقة عام 642 ميلادي.

ولا تقتصر أهمية الكشف على إضافة معالم جديدة إلى خريطة أبولونيا، بل تمتد إلى احتمال إعادة تحديد نطاق المدينة القديمة وفهم علاقتها بالفضاءات التي نشأت خارج أسوارها، وستبقى القراءة النهائية لهذه المنشآت مرتبطة بنتائج التنقيب والتأريخ ودراسة اللقى، غير أن الإعلان الأولي يؤكد أن أبولونيا لا تزال تخفي كثيرًا من كنوزها التي تروي حكاية المدينة الساحلية الفريدة.