الذكرى الـ30 لمجزرة الرياضية.. حين حوّل نظام القذافي الفرجة الكروية إلى مأساة

في التاسع من يوليو عام 1996، لم تكن العاصمة طرابلس على موعد مع عرس كروي كما اعتادت في لقاءات القمة، بل كانت على موعد مع واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها الملاعب الرياضية في تاريخها.

ورغم مرور ثلاثة عقود، لا تزال الذاكرة الرياضية الليبية تستحضر تفاصيل “مجزرة المدينة الرياضية”، حين واجهت الأجهزة الأمنية للنظام السابق شغف الجماهير الرياضية بالبطش والرصاص الحي.

ديربي العاصمة وشرارة الغضب

انطلقت شرارة الأحداث في ملعب طرابلس الدولي “11 يونيو سابقا” أثناء مباراة “ديربي” حاسمة جمعت بين قطبي العاصمة الأهلي طرابلس والاتحاد، إذ كان المحيط الرياضي مشحونا بتراكمات الاحتقان الناجم عن تدخلات أبناء القذافي، وتحديدا “الساعدي”، في مفاصل كرة القدم الليبية.

ومع انطلاق المباراة، شهدت مجرياتها قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، تحوّلت على إثرها المدرجات إلى ساحة للاحتجاج، وارتفعت الهتافات الغاضبة المنددة بما وصفه الجمهور بالفساد والظلم الرياضي، وبدأ الجمهور في التعبير عن سخطه برمي المقذوفات ومحاولة اقتحام أرضية الملعب، في مشهد شغب رياضي كان يمكن احتواؤه بالوسائل الأمنية المتعارف عليها عالميا.

الرصاص الحي في مواجهة الهتافات

بدلا عن استخدام خراطيم المياه أو الغاز المسيل للدموع لتفريق الجماهير الغاضبة، اتخذت الكتائب الأمنية التابعة للنظام السابق قراراً دموياً لا يمت للإنسانية بصلة، فقد وجهت فوهات البنادق والأسلحة النارية مباشرة نحو المدرجات المكتظة بآلاف المشجعين العزل. هذا الرد الأمني العنيف أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بالرصاص الحي.

كما تسبّب إطلاق النار العشوائي في حالة من الهلع والذعر الجماعي، أدت بدورها إلى تدافع الآلاف نحو بوابات الخروج الضيقة، ليلقى العديد مصرعهم اختناقا ودهسا تحت الأقدام، وامتلأت المستشفيات ذلك اليوم بمئات المصابين الذين عانوا من طلقات نارية وكسور وإصابات بالغة.

جريمة مكتملة الأركان وتعتيم ممنهج

لم تقتصر جريمة النظام على إطلاق الرصاص، بل امتدت لتشمل قمعا ممنهجا وتعتيما إعلاميا صارما لمحو آثار المجزرة، فقد تعمدت الأجهزة الأمنية آنذاك ممارسة أبشع أنواع الإرهاب النفسي والجسدي على أهالي الضحايا والناجين، وتمثل ذلك في حظر التغطية الإعلامية ومصادرة الجثامين ومنع العزاء والمآتم إلى جانب حملات اعتقال واسعة.

ومنعت كافة وسائل الإعلام الرسمية من الإشارة إلى الحادثة بأي شكل من الأشكال، وجرى التحفُّظ على جثث الضحايا ومنع تسليمها لذويهم إلا بشروط قاسية، مع تزوير التقارير الطبية وإرجاع أسباب الوفاة إلى حوادث عرضية بدلا عن الطلقات النارية ومنعت العائلات المكلومة من إقامة المآتم أو التجمّع حدادا على أبنائها، في محاولة لقتل القضية في مهّدها، كما شنت الأجهزة حملات اعتقال طالت المئات من المشجعين.

غياب المحاسبة واستحضار الفاجعة

رغم مرور ثلاثة عقود على المجزرة وغياب المحاسبة وتتبع خيوط القضية، لم تفلح سياسة القمع والتعتيم في طمس الحادثة، حيث تحيي الجماهير الرياضية، وخاصة مشجعي النادي الأهلي طرابلس، ذكرى الضحايا الذين تحول شغفهم بكرة القدم إلى مأساة أنهت حياتهم.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة