28 عاما على مأساة أطفال بنغازي.. قضية الإيدز التي تحولت إلى أزمة دولية

تمر الذكرى الـ28 على واحدة من أكثر القضايا الصحية والقضائية إثارة للجدل في تاريخ ليبيا الحديث، وهي قضية إصابة أطفال في مستشفى الأطفال بمدينة بنغازي بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) عام 1998، والتي تحولت لاحقا إلى أزمة دولية استمرت نحو 9 سنوات.

وبدأت القضية بعد اكتشاف إصابات بالفيروس بين عدد من الأطفال الذين كانوا يتلقون العلاج في مستشفى الأطفال ببنغازي، حيث كشفت الفحوص الطبية عن إصابة ما يقارب 400 طفل بالفيروس، فيما توفي عدد منهم خلال السنوات اللاحقة نتيجة مضاعفات المرض.

وعقب ظهور الإصابات، فتحت السلطات الليبية تحقيقات واسعة، وتركزت الاتهامات على فريق طبي أجنبي كان يعمل في المستشفى، حيث جرى عام 1999 توقيف 5 ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني هو أشرف الحجوج، ووجهت إليهم اتهامات من بينها التسبب عمدا في نقل الفيروس إلى الأطفال.

ونفى المتهمون هذه الاتهامات، مؤكدين براءتهم، كما قالوا خلال المحاكمات إن الاعترافات التي قدمت ضدهم انتُزعت تحت التعذيب، وهي مزاعم أثارت انتقادات منظمات حقوقية دولية طالبت بضمانات لمحاكمة عادلة والتحقيق في ظروف الاحتجاز.

وبعد محاكمة استمرت سنوات، أصدرت محكمة جنايات بنغازي عام 2004 حكما بإعدام المتهمين الستة، قبل أن تنقض المحكمة العليا الليبية الحكم عام 2005 وتأمر بإعادة المحاكمة.

وفي ديسمبر 2006 صدر حكم جديد بالإعدام، ثم أيدته المحكمة العليا الليبية عام 2007.

جدل حول أسباب العدوى

في مقابل الرواية التي حملت الطاقم الطبي الأجنبي مسؤولية الحادثة، قدم عدد من الباحثين والخبراء الدوليين نتائج علمية شككت في فرضية التعمد، وأشارت إلى احتمال ارتباط الإصابات بظروف مكافحة العدوى داخل المستشفى.

وأظهرت دراسات اعتمدت على تحليل عينات فيروسية من الأطفال المصابين أن سلالة الفيروس كانت موجودة في ليبيا قبل وصول العاملين الطبيين البلغار إلى البلاد، ما دفع عدداً من العلماء إلى القول إن انتشار العدوى قد يكون مرتبطاً بعوامل صحية داخل المستشفى، وليس بعملية متعمدة.

وكانت هذه النتائج محل خلاف كبير بين السلطات الليبية في ذلك الوقت وعائلات الأطفال من جهة، وبعض الأوساط العلمية والحقوقية الدولية من جهة أخرى، إذ طالبت أسر الضحايا بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن إصابة أبنائها.

التدخلات الدولية والإفراج

مع تصاعد الأزمة، تحولت القضية إلى ملف سياسي ودبلوماسي بين ليبيا وبلغاريا والاتحاد الأوروبي، ودخلت أطراف دولية على خط المفاوضات للوصول إلى حل.

وفي يوليو 2007، وبعد سنوات من الاحتجاز والأحكام القضائية، خففت السلطات الليبية أحكام الإعدام الصادرة بحق المتهمين إلى السجن المؤبد، قبل أن يتم نقل الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني إلى بلغاريا ضمن اتفاق أنهى الأزمة الدبلوماسية.

وبعد وصولهم إلى بلغاريا، أصدر الرئيس البلغاري قرارا بالعفو عنهم، الأمر الذي أثار غضبا واسعا داخل ليبيا، خاصة لدى عائلات الأطفال المصابين التي اعتبرت الإفراج عنهم تخلياً عن حق الضحايا في العدالة.

تعويضات الضحايا

تزامن الإفراج عن المتهمين مع اتفاق لإنشاء صندوق لتعويض أسر الأطفال المصابين، بمشاركة أطراف دولية، بهدف توفير الدعم المالي والعلاجي للضحايا.

ورغم ذلك، ظل الملف محل جدل داخل ليبيا، حيث واصلت عائلات الأطفال المطالبة بكشف ملابسات القضية بشكل كامل، وتحديد المسؤوليات عن واحدة من أكبر الكوارث الصحية التي شهدتها البلاد.

القضية بعد 2011

بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، أعيد فتح النقاش حول القضية، وظهرت مطالب بإعادة التحقيق في ملابساتها، خاصة مع تغير الظروف السياسية والقانونية في البلاد، إلا أن الملف لم يشهد مسارا قضائيا جديدا حاسما ينهي الجدل المستمر حول أسباب الحادثة والمسؤولين عنها.

وبعد مرور 28 عاما، لا تزال قضية أطفال بنغازي حاضرة في الذاكرة الليبية باعتبارها مأساة إنسانية كبرى جمعت بين معاناة الضحايا، وتعقيدات القضاء، والتجاذبات السياسية الدولية، والخلاف العلمي حول حقيقة ما حدث داخل مستشفى الأطفال ببنغازي.

المصادر: قناة ليبيا الأحرار + وكالات

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة