إسلام الأطرش
في بعض قرى الساحل الليبي، لم يعد صوت البحر وحده ما يسمعه السكان عند الفجر.
بين حين وآخر، يهزّ دويّ مكتوم سطح الماء، قبل أن تظهر أسماك نافقة أو شبه مشلولة، تطفو فوق بقعة انفجار لا يراها من يقف على الشاطئ، لكن آثارها تبقى عالقة في القاع.
هناك، تحت الماء، لا تنتهي آثار الانفجار عند الأسماك التي تطفو سريعاً على السطح. فكل تفجير يخلّف وراءه شعاباً صخرية متضررة، وكائنات دقيقة وبيوضاً ميتة، وموائل قاعية تفقد قدرتها على احتضان الحياة من جديد.
بعد محاولات عدة، وافق أحد الصيادين الذين يستخدمون هذه الطريقة على الحديث إلينا ومرافقتنا في رحلة بحرية، شرط عدم كشف اسمه أو أي تفاصيل قد تقود إلى هويته.
كان يخشى الملاحقة من جهة، وغضب صيادين آخرين من جهة أخرى، لكنه قال إن “الجليطينة” لم تعد سراً في بعض المناطق.
في رحلة بحرية معه، بدا الأمر بالنسبة إليه كأنه جزء من يوم عمل عادي. لم يتحدث عن الانفجار بوصفه خطراً، بل كوسيلة “سريعة” للحصول على كمية أكبر من الأسماك.

ويحمل الصياد أثر هذه الممارسة على جسده. فقد خسر طرف أحد أصابعه في حادث سابق مرتبط باستخدام المتفجرات، ومع ذلك لم يتوقف عن الخروج إلى البحر بالطريقة نفسها، كأن الخطر أصبح جزءاً من المهنة اليومية لا سبباً كافياً لتركها.
وفي حديثه لقناة ليبيا الأحرار: يقول إن بعض الصيادين يلجأون إليها لأنهم يريدون ربحاً أسرع، ولأن الرقابة ضعيفة، ولأن البحر، كما يصفه، “صار مفتوحاً لمن يفعل ما يريد”.
لكن ما يراه بعض الصيادين ربحاً سريعاً، يراه صيادون وباحثون بيئيون خراباً يتكرر بصمت تحت الماء.
قاع مهدد
حين ينزل الغواص طلال عثمان إلى أعماق البحر، لا يبحث فقط عن مشهد جميل تحت الماء. في كثير من الغطسات، يصطدم بما يسميه “أثر الانفجار”: قاع متكسر، صخور بحرية فقدت كائناتها الصغيرة، وأسماك نافقة أو مختفية من مناطق كانت قبل سنوات قريبة غنية بالحياة.
يقول عثمان، وهو مدرب غوص وإنقاذ تابع لمركز بنغازي للغوص والإنقاذ: “المشكلة لم تعد مجرد صياد يرمي متفجراً ليحصل على كمية أكبر من السمك. نحن أمام تدمير مباشر للبيئة البحرية. الانفجار يقتل السمك الكبير والصغير، ويضرب البيض، ويطرد الأسماك من موائلها الطبيعية”.

ورغم حملات التحذير السابقة، وبيانات وزارة الثروة البحرية، وضغط الصيادين فإن الممارسة لم تتراجع.
بل يقول عاملون في القطاع إن انتشارها ازداد في بعض المناطق الساحلية، مستفيداً من ضعف الرقابة، وتشتت المؤسسات، وسهولة الوصول إلى مخلفات الحرب والمواد المتفجرة.
على امتداد الساحل الليبي، من زوارة وطرابلس إلى بنغازي وطبرق، يتحدث صيادون وغواصون عن تغير واضح في البحر.
مناطق كانت معروفة بوفرة أنواع معينة لم تعد تمنح الصيادين حصاداً ثابتاً. بعض الأسماك باتت أعمق من السابق. وبعضها غاب موسمياً أو تراجع حجمه.

يقول الصياد أحمد عويدان، وهو صياد حرفي: “نحن نخرج بالشباك وننتظر ساعات طويلة، وفي النهاية قد نعود بكمية لا تكفي حتى لتغطية كلفة معدات الموسم”.
لكن من يستخدم المتفجرات يحصل في دقائق على ما لا نحصل عليه نحن في يوم كامل. المشكلة أنه يربح اليوم ويدمر رزق الجميع غداً”
ولا تقف أضرار الصيد بالمتفجرات عند موت الأسماك التي تطفو على السطح. فالموجة الناتجة عن الانفجار تضرب الكائنات الصغيرة التي لا تُرى بسهولة، وتؤثر في السلسلة الغذائية التي تعتمد عليها الأسماك.
كما تؤدي إلى تدمير الأعشاب البحرية ومناطق التكاثر والحضانة، وهي مساحات تحتاجها الأسماك الصغيرة لتنمو قبل أن تعود إلى دورة الصيد الطبيعية.
بينما أظهرت دراسة نُشرت في مجلة الريادة للبحوث والأنشطة العلمية عام 2022 أن الصيد بالمتفجرات في مواقع من الساحل الليبي، بينها سوسة ورأس لانوف وزليتن، لا يقتل الأسماك فقط لحظة الانفجار، بل يؤثر أيضاً في خصائص مياه البحر والتركيبة السمكية والموائل البحرية على المديين القريب والبعيد.
وفي سوق السمك في العاصمة طرابلس، تظهر المشكلة من زاوية أخرى. يقول أحد الباعة: “أحياناً تصل أسماك شكلها غير طبيعي.

العين حمراء، واللحم طري، والظهر مكسور. بينما الناس لا تعرف دائماً الفرق. و بعض التجار يبيعونها لأنها أرخص، لكن المستهلك هو من يدفع الثمن”.
وتحذر الخطة الوطنية للتنوع البيولوجي في ليبيا 2023–2030، الصادرة عن وزارة البيئة، من أن الصيد غير القانوني، بما في ذلك استخدام الديناميت، بات واسع الانتشار بعد عام 2011، وتسبب في تدهور الموارد البحرية وتدمير موائل يصعب تعويضها أو إعادة بنائها.
قانون معطل
لا تبدو المشكلة في غياب النص القانوني. فالقانون الليبي رقم 14 لسنة 1989 بشأن تنظيم استغلال الثروة البحرية يحظر بوضوح الصيد بواسطة المفرقعات أو المواد السامة أو المخدرة أو أي وسيلة تضر بالصحة العامة أو نمو وتكاثر الأحياء البحرية.
كما ينص على عقوبات تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة مالية، مع جواز مصادرة وسيلة الصيد وأدواته.
لكن بين النص والتطبيق مسافة واسعة. فالمراقبة البحرية تحتاج إلى إمكانات بشرية وفنية، وإلى تنسيق بين وزارة الثروة البحرية، وخفر السواحل، والبلديات، والنيابات، وأجهزة الأمن.
وهذه الجهات تعمل في بلد أنهكته الانقسامات السياسية والحروب وتعدد مراكز القرار.
ويؤكد محمد الربيعي، المسؤول السابق في قطاع الحماية والتفتيش البحري، أن المشكلة لا تكمن في غياب القانون، بل في تطبيقه، قائلاً: “القانون موجود، لكنه يحتاج إلى دوريات مستمرة، وضبط فعلي للمواد المستخدمة، ومحاضر تُحال إلى النيابة”.
لا يكفي أن نصدر بيانات تحذير. من دون عقوبة واضحة ومعلنة، إذ سيعتبر المخالف أن البحر بلا صاحب”.
ويقول عبدالمجيد مليطان، رئيس قسم البيئة في كلية البيئة والعلوم الطبيعية بجامعة مصراتة: “كثيرون يخشون التبليغ عن هذه الممارسات، لأن من يستخدمون المتفجرات في البحر ليسوا دائماً صيادين عاديين.
أحياناً تقف خلفهم شبكات حماية أو علاقات مع مجموعات مسلحة أو تجار، ولذلك لا يمكن التعامل مع الملف كأنه مجرد مخالفة صيد بسيطة”.
و يدافع بعض المخالفين عن هذه الممارسة بحجة الفقر وارتفاع تكاليف الصيد. توفر الوقود، وصيانة القوارب، والشباك، ومحركات الصيد، كلها تضغط على الصيادين. لكن هذا التبرير لا يقنع الصيادين النظاميين الذين يرون أن المتفجرات تقتل البحر وتزيد الأزمة على المدى الطويل.
فرص محدودة
وترى عالمة الأحياء البحرية سارة المبروك أن مواجهة الظاهرة تبدأ من البيانات، قائلة: “لا يمكننا حماية ما لا نقيسه. نحتاج إلى خرائط للمناطق المتضررة، ومتابعة دورية للمخزون السمكي، وربط الأسواق بمصدر الصيد. فإذا عرفنا من أين جاءت الأسماك وكيف صِيدت، يمكن تقليل الطلب على الأسماك المصادة بالمتفجرات”.
وتعزز الدراسات المحلية هذا القلق. فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة شمال إفريقيا للنشر العلمي عام 2026، عن ممارسات الصيد بالديناميت في منطقتين بالشرق الليبي، أن “الجلاطينة” شكّلت 52.94% من وسائل الصيد التي أبلغ عنها المشاركون في الاستبيان، مقابل 47.06% للشباك و5.88% للسنارة.
أما صحياً، فتظل المخاطر طويلة الأمد غير محسومة في غياب اختبارات محلية معلنة على الأسماك والمياه والرواسب. لكن دراسة نُشرت في مجلة Marine Biology، عن آثار ملوثات ناتجة عن ذخائر كيميائية غير منفجرة في البحر المتوسط، وجدت أن أسماكاً من منطقة التلوث سجّلت مستويات أعلى من الزرنيخ في أنسجتها، إلى جانب مؤشرات مرضية في بعض العينات.
وفي نظر طلال العثمان، لا يزال الوقت متاحاً لإنقاذ ما تبقى، لكنه يضيق بسرعة. فالبحر، كما يقول، قادر على التعافي إذا مُنح فرصة حقيقية. وهذه الفرصة تبدأ بوقف الانفجارات، وحماية مناطق التكاثر، ومحاسبة المخالفين، وإشراك الصيادين أنفسهم في الرقابة.
لكن استمرار هذه الممارسات يهدد بتحويل مناطق الحضانة والتكاثر من ملاذات آمنة للحياة البحرية إلى مساحات مفتوحة للاستنزاف.
ويمكن اعتبار استخدام TNT في ليبيا استثناءً في ممارسات الصيد المدمرة، عند مقارنته ببلدان أخرى تمارس فيها صيد الأسماك بالديناميت، مثل غانا ولبنان وسوريا حيث يستخدمون الأسمدة الزراعية لصنع المتفجرات.
وبما أنه سلاحًا عسكريًا، فأن TNT يعتبر أكثر سمّية من الديناميت مما يجعله غير متاح بشكل كبير مع تناول السكان للأسماك التي تم صيدها باستخدام هذه الممارسة المدمرة، تظل الآثار الصحية طويلة الأمد غير معروفة، ولكنها تثير قلقًا بالغًا.
تم إعداد هذه القصة كنتاج لمنحة من مشروع «ميد موزاييك للتوعية بالمحيطات»