في مقاله “ملاحظات حول القومية” الصادر عام 1945، يرصد الروائي البريطاني جورج أورويل ظاهرة لم تفقد راهنيتها منذ أن وصفها: أن الحقيقة لا تتعرض للنكران دائما لأنها مجهولة، بل في أحيان كثيرة لأنها معروفة جدا، ولكنها بالنسبة للبعض لا تُطاق، يسخر أورويل من آلية هذا الإنكار بأن ضربة واحدة على عصب العمى الأيديولوجي كفيلة بأن تُبخّر النزاهة الفكرية وتجعل إنكار أوضح الحقائق أمرا ممكنا بل مريحا: “كل هذه الحقائق واضحة بجلاء تام إذا لم تكن المشاعر متورطة فيها، لكنها بالنسبة للنوع من الأشخاص المذكورين لا تطاق، وعليه لا بد من نفيها وبناء نظريات زائفة على أساس هذا النفي.
كان أورويل ينتقد الموالين للنازية والداعين للمهادنة معها، الذين يدفعهم ولاؤهم إلى إنكار فظائعها، لم يكن يكتب عن ليبيا، ولم يكن يعرف أن ثمة سجنا في طرابلس سيغدو، بعد نصف قرن من مقاله، مسرحا لإحدى أفظع مجازر القرن العشرين في المنطقة — مجزرة يُقدَّر عدد ضحاياها بنحو ألف ومئتي سجين أعدموا في ساعات معدودة، لكنه وصف بدقة شديدة ما قد يحدث لهذه المجزرة بعد وقوعها: لن يجرؤ البعض على إنكارها لأن الأدلة شحيحة، بل لأن الاعتراف بها مؤلم لمن يجب عليهم الاعتراف، ومُكلف سياسيا لمن يملكون مفاتيح الحقيقة.
في روايته الحائزة على جائزة بوليتزر “العودة”، يضع هشام مطر قارئه أمام مصادفة لا يجود بمثلها حتى الخيال، في أحد الأيام كان مطر يزور المتحف الوطني في لندن -وهو أمر اعتاده، إذ يسكن غير بعيد منه- لكنه هذه المرة ترك لوحاته المعتادة ليقف أمام لوحة “إعدام ماكسيميلان”، متأملا جسدا مفقوداً من منتصفها، إذ قطّع ورثة الفنان القماش بعد وفاته وأُعيد تجميعه ناقصا، بينما كان مطر واقفاً في تلك القاعة، كان أبوه “جاب الله مطر” على الأرجح يُعدَم في فناء أبو سليم مع أكثر من ألف رجل آخر.. في اليوم ذاته.
احتاج مطر لسنوات حتى يعود إلى مذكراته ويكتشف هذا التقاطع العجيب، شأنه شأن عائلات كثيرة تطل علينا من صفحات الرواية، إحداهن امرأة كانت تقطع اثنتي عشرة ساعة من بنغازي إلى طرابلس لزيارة ابنها، حاملةً الطعام والثياب، بينما كان الحراس يعتذرون منها بأن الزيارات معلّقة ويطلبون منها العودة في الشهر التالي.. وكان تعود كل شهر، في أحد الأيام وصل الخبر إلى منزلها: لقد مات ابنك عام 1996. كانت المرأة قد أمضت خمس سنوات تطبخ وتحمل الهدايا لرجل ميت، موت بلا جثة، وجريمة بلا وثيقة، ويقين بلا اعتراف، هكذا اختارت السلطة أن لا تقتل ضحاياها مرة واحدة، بل أن تواصل قتلهم في قلوب ذويهم، شهرا بعد شهر، يوما بعد آخر، لسنوات طوال، أن تحرمهم من الجثة، ومن الحقيقة، ومن حق البكاء الأخير.
غير أن أخطر ما في الإنكار لا يظهر في لحظته الأولى، بل في ما يسمح له بأن يولد لاحقا، فالجريمة التي لا يُعترف بها لا تبقى جريمة صامتة فحسب، إنها تتحول، مع الوقت، إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة، بل في روايته الأشهر 1984، ينتقد أورويل السلطة التي لا تكتفي بالتحكم في الناس، بل تريد التحكم في ذاكرتهم أيضاً، فمن يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، والعكس بالعكس، لم يكن إنكار أبو سليم مجرد هروب من المحاسبة، بل محاولة للسيطرة على الغد عبر مصادرة الأمس، من يملك أن يقول ماذا حدث؟ من يقرر إن كانت المجزرة جريمة، أم حادثة، أم اشتباكاً، أم رقما قابلا للمساومة؟.. لقد كان الإنكار ومحو السجلات خطة كاملة للتحديات المستقبلية التي ستواجهها أي سلطة أقدمت على هذا النوع من الإجرام الجنوني.
إن غياب الاعتراف الرسمي، لا يهدف إلى حرمان المجتمع من حقيقة ثابتة قد يتجادل حول معناها، بل إلى إبقائه أمام فراغ تتنازعه الروايات. يدخل الضحايا، مرة أخرى، إلى المحاكمة، لا ليُقتص لهم، بل ليُطلب منهم إثبات موتهم، وتدخل العائلات في معركة لا تنتهي مع اللغة، ضد التخفيف، والتبرير، والمساواة الزائفة بين القاتل والقتيل، وتحويل المطالبة بالعدالة إلى نبش للماضي أو تهديد للسلم الاجتماعي، عندها تتحقق نبوءة أورويل الأخرى: “مُحي الماضي، ثم نُسي المحو، وصارت الكذبة حقيقة” وهذه هي العاقبة الاجتماعية الأعمق لغياب الاعتراف، فيصبح القاتل قادرا لا على تجاوز الإفلات من الجريمة إلى المشاركة في كتابة معناها وقصتها.
السلطة التي تريد أن تقتل تفعل ذلك باللغة أولا، تعيد تسمية الضحية قبل أن تمحو جسده، تجرده من اسمه قبل أن تجرده من حياته، وتدفعه من مقام الإنسان إلى الشيء، تسميه الخطر والعدو والملف الأمني، وبهذا لا يكون الإنكار خاتمة للجريمة، بل مقدمتها الأولى، فالقاتل يحتاج، قبل أن يضغط على الزناد، إلى حكاية مختلقة عن ضحيته، حكاية يحتاجها هو كما يحتاجها أتباعه.
في روايته “طريق جهنم” يطرح الروائي الأردني أيمن العتوم سؤالا صعبا: ماذا يحدث لمن خرج حياً؟ بطله علي العكرمي -المبني على شخصية حقيقية- رجل أمضى ثلاثين عاما داخل جدران السجن، وخرج ليكتشف أن العالم خارجها لا يريد أن يستمع إليه، هكذا بكل بساطة، وهنا تكتمل الدائرة فالإنكار لم يستهدف الميت فحسب، بل امتد ليطال الشاهد الحي، الضحية التي تتكلم تصبح خصما، والناجي الذي يشهد يصبح متهما، وتتحول المجزرة في نهاية المطاف من حدث تاريخي موثق صارخ، إلى رواية من روايات عديدة، وهذا بالضبط ما أرادته السلطة منذ اللحظة الأولى.
بيد أن المعضلة هنا، هي أن إنكار الجرائم الكبرى لا يدفنها في الماضي، بل يتركها تتعفن في الحاضر، فالإنكار ينتج مستقبلا مسموما، والمجتمع الذي لا يحاسب فيه القاتل، لا يفقد العدالة وحدها، بل يفقد معها القدرة على تمييز الضحية من الجلاد، وحين تصبح أفظع المجازر وجهات نظر، لا يصبح تكرارها ممكنا فحسب، بل سهلا، لا تكمن خطورة السرديات البديلة في أنها تروي الماضي بطريقة مختلفة عن الحقيقة، بل أنها تطلب من المجتمع أن يعيش بلا معيار أخلاقي.