بعد عقدين من الغياب، وصلت صباح الأحد مومياء تخرخوري إلى طرابلس قادمة من إيطاليا، المومياء التي اكتشفت في عمق الصحراء الليبية، ونقلت إلى إيطاليا منذ عام 2004 لأغراض الدراسة والترميم والحفظ، ستُودَع قريبا للعرض ضمن المجموعة الدائمة في المتحف الوطني بطرابلس وهي عودة تعيد إلى ليبيا واحدا من أثمن شواهدها الأثرية على الإطلاق.
بين عامَي 2003 و2006، أجرى فريق من علماء الآثار أعمال حفر وتنقيب أثري في ملجأ صخري بات يُعرف بـملجأ تخرخوري، نسبة إلى اسم واد في جنوب غرب ليبيا، ورغم أن الموقع اليوم يقع في قلب الصحراء القاحلة، غير أن سكانه قبل سبعة آلاف عام كانوا يطلّون من مكانهم على بحيرة دائمة المياه على مدار السنة. وقد عثر الفريق على المومياء الأولى في اليوم الثاني من الحفريات، حين ظهرت بعض عظام فكّ عقب إزالة بعض الرمال، كما يتذكر عالم الآثار ورئيس البعثة الأثرية الإيطالية سافينو دي ليرنيا.

في الماضي البعيد، كانت المنطقة سهلا أخضر تتخلله أشجار وبحيرات دائمة وأنهار، وكانت موطنا للفيلة وأفراس النهر وللمجتمعات البشرية الأولى، وقد عثر علماء الآثار على رفات خمس عشرة امرأة وطفلا مدفونين في هذا الملجأ، عاشوا على صيد الأسماك وتربية الغنم والماعز، وكشف الموقع أيضا عن شقف فخارية مشبعة بدهون الحليب، وهي أقدم الأدلة على استخراج منتجات الألبان في العالم، فضلا عن بعض أقدم مؤشرات تدجين الحبوب البرية في القارة الإفريقية، وتزخر الكهوف المجاورة بفن صخري يصوّر مشاهد الصيد والرعي.
وتقع تخرخوري ضمن نطاق تدرارت أكاكوس، أحد أهم المواقع الأثرية في ليبيا وشمال إفريقيا، والمدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1985، وتشتهر أكاكوس بآلاف الرسوم والنقوش الصخرية التي توثق تحولات البيئة والحياة البشرية في الصحراء على مدى آلاف السنين.
تنتمي مومياء تخرخوري إلى امرأة عاشت قبل نحو سبعة آلاف عام خلال فترة الصحراء الخضراء، وهي المرحلة الرطبة التي امتدت بين 15000 و5000 سنة مضت وشهدت ازدهار الحياة في قلب الصحراء الكبرى. واختار الباحثون البدء بها لأنها محفوظة بشكل استثنائي الجلد، الأربطة، الأنسجة، وهو ما أتاح للعلماء قراءة سجلٍّ بيولوجي نادرا ما يبقى سليما في البيئات الحارة.
وتعدّ هذه المومياء من أقدم المومياوات الطبيعية في العالم، ولا يرجع تفردها إلى ندرتها الزمنية فحسب، بل إلى ما في طيّاتها من أسئلة عن أصول مجتمعات شمال إفريقيا القديمة التي ظلت معلقة قرونا.
وجاءت الدراسات العلمية حول مومياوين من الموقع لتُحدث علامة فارقة في فهمنا لتاريخ الإنسانية، نجح العلماء لأول مرة في استخلاص جينومٍ كامل من رفاتها وهو الجينوم الأول من نوعه يُستخرج من موقع في الصحراء، ليكشف نتيجة غير متوقعة: هاتان المرأتان تنتميان إلى سلالة بشرية مجهولة لم تُعرف من قبل، وجد الفريق أن هذا الخط الجيني افترق عن أسلاف سكان إفريقيا جنوب الصحراء قبل نحو 50000 عام أي في الفترة ذاتها التي بدأت فيها مجموعات أخرى في الهجرة خارج إفريقيا ثم ظلّ معزولا جينيا لعشرات الآلاف من السنين حتى وفاة هاتين المرأتين.
قال البروفيسور يوهانس كراوسه، المدير العلمي لمعهد ماكس بلانك: “في الوقت الذي كانتا فيه على قيد الحياة، كانتا أشبه بأحفورتين حيّتَين، شيء لا ينبغي أن يكون موجودا، لو أُخبرت أن هذه الجينومات عمرها أربعون ألف سنة لصدّقت ذلك”

أسهمت الدراسات الجينية في دحض نظريات كانت سائدة إذ كان الباحثون يفترضون أن انتشار الرعي في الصحراء جاء عبر هجرة كبرى من الشرق الأوسط، غير أن اكتشاف سكان تخرخوري يقترح شيئا مختلفا تماما، يبدو أن هؤلاء القوم تبنّوا نمطا رعويا عبر التبادل الثقافي لا عبر الهجرة، وتشير الدلائل كذلك إلى أن الصحراء الخضراء لم تكن ممرا للهجرة بين إفريقيا جنوب الصحراء وشمالها كما ظنّ كثير من العلماء، بل كانت جزيرة سكانية قائمة بذاتها.
نُشرت الدراسة الجينية الكبرى في أبريل 2025 في مجلة Nature، في ورقة بحثية حملت توقيع فريق متعدد الجنسيات يضمّ معهد ماكس بلانك لعلم الأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ، وجامعة سابينزا في روما، وجامعة فلورنسا. وقال كبير المؤلفين ديفيد كارامللي من جامعة فلورنسا: “تُبرز هذه الدراسة أهمية الحمض النووي القديم في إعادة بناء تاريخ الإنسان في مناطق كشمال إفريقيا الوسطى، إذ تقدم دعما مستقلا للفرضيات الأثرية”.

وفي الخامس من يونيو 2026، التقى السفير الليبي في روما مهند يونس بالبروفيسور سافينو دي ليرنيا في مقر السفارة الليبية، وتناول اللقاء الترتيبات النهائية لإعادة مومياء تخرخوري إلى ليبيا، أوضح دي ليرنيا أن المومياء نُقلت إلى إيطاليا عام 2004 لأغراض علمية وترميمية، وأسهمت على مدى عقدين في توثيق قيمة الموقع تاريخيا وأثريا، وتقرر نقلها على متن طائرة مخصصة لتُعرض في المتحف الوطني بطرابلس. وأعرب السفير في ختام اللقاء عن تقديره للجهود التي بذلها دي ليرنيا في دراسة التراث الليبي والتعريف بقيمته الحضارية، متمنيا استمرار التعاون بين مؤسسات البلدين.
وتمثل عودة تخرخوري لحظة رمزية، امرأة ماتت قبل سبعة آلاف عام في صحراء كانت يوما خضراء، أسهمت رفاتها في إعادة كتابة فصل كامل من تاريخ الإنسانية، وها هي تعود أخيرا إلى الأرض التي أنجبتها.