البطيخ الأخضر.. حكاية الظهور والاختفاء

في عمق الصحراء الليبية، احتفظ كهف صخري بأحد أقدم الجينومات النباتية،  لبذور بطيخ عمرها ستة آلاف عام، لتجذب اهتمام علماء النبات، ففي عام 2022، نشر فريق من الباحثين من جامعات شيفيلد وميونيخ وواشنطن دراسة تُعدّ من أكثر الدراسات إثارة في تاريخ علم الجينوم النباتي، فكّ الفريق تسلسل الجينوم الكامل لبذور بطيخ عمرها ستة آلاف سنة، عُثر عليها في موقع وان موهي جاج الأثري في جبال تدرارت أكاكوس جنوب غرب ليبيا، وهو الموقع ذاته الذي اكتُشفت فيه المومياء الشهيرة، إحدى أقدم المومياوات في العالم، وقد جمعت هذه البذور وصنّفتها في مطلع التسعينيات عالمة الآثار النباتية البولندية كريستينا واسيليكوا، وظلت محفوظة في معهد علم النبات بالأكاديمية البولندية للعلوم في كراكوف لثلاثة عقود، قبل أن يطلب فريق كيو الإذن باستخلاص حمضها النووي. وصف الباحثون هذا الجينوم بأنه على الأرجح أقدم جينوم نباتي يُفكّ تسلسله بهذا المستوى من التفصيل في التاريخ.

سر بقاء هذه البذور ستة آلاف سنة يكمن في تضافر ثلاثة عوامل: طبيعة الموقع كهفا صخريا بهواء جاف مالح، وجفاف الصحراء الذي حال دون نمو الفطريات والبكتيريا المحللة، وأخيرا طبيعة البذور الصلبة الجافة التي لم تحترق خلافاً لكثير من البقايا النباتية في المواقع الأثرية فاحتفظت بالحمض النووي في حالة قابلة للقراءة، وقد وصفت الباحثة فيليبا رايان هذا الأمر بالمذهل، قائلة إن ما يجعل هذه البذور استثنائية هو تجفيفها الطبيعي الكامل الذي أتاح استخلاص الحمض النووي منها رغم كل هذه القرون.

ما كشفت عنه هذه البذور فاجأ المجتمع العلمي، فعلى خلاف ما كان يُفترض، لم تكن بطيخة الليبيين في العصر الحجري الحديث هي السلف المباشر للبطيخ الأحمر الحلو المعروف اليوم، التحليل الجيني أثبت أنها تنتمي إلى نوع قريب من بطيخ يسمى الإيغوسي (Citrullus mucosospermus) الذي لا يزال ينمو في غرب أفريقيا اليوم، وكان لبّها مرا وذا لون أبيض مخضر ولا يؤكل عادة، بيد أن الباحثين رصدوا في فحص بالأشعة المقطعية لبعض البذور آثارَ تكسيرٍ تُطابِقُ نمطَ عض الأسنان البشرية، فخلصوا إلى أن سكان المنطقة لم يكونوا يأكلون، بل كانوا يكسرون البذور الغنية بالزيوت والبروتين ويأكلونها مباشرة كوجبة خفيفة، في عادة لا تزال حية حتى اليوم في دول عدة.

وتفتح هذه النتيجة نافذة نادرة على حياة الإنسان الليبي قبل ستة آلاف سنة، فسكان جبال أكاكوس في تلك الحقبة كانوا رعاة يعيشون في صحراء كانت أكثر خضرة مما هي عليه اليوم، يستأنسون الأغنام البرية ويزرعون بعض أنواع الحبوب، لكنهم لم يُروضوا أي نبات بشكل كامل، وبقاء هذه البذور سليمة لستة آلاف سنة في الصحراء الجافة لم يكن مصادفة، بل هو نتاج المناخ الجاف الحافظ الذي جعل ليبيا رغم كل شيء خزاناً استثنائيا للذاكرة البيولوجية للبشرية.

وقد امتدت هذه العلاقة العميقة بين ليبيا والبطيخ عبر القرون وحتى يومنا هذا، وقد سجل كل من زار ليبيا إعجابه بجودة هذه الفاكهة فيها وتنوع أحجامها وأنواعها، وثق الرحالة التونسي محمد بن عثمان الحشائشي في كتابه “جلاء الكرب” ما رآه في ليبيا من خيرات، فكتب: “أما لحوم البلد وفواكهها وغلاتها فجميعها طيبة، وفيها من كل ما خلق الله لعباده من أصناف النعم بثمن متهاون، ويعظم فيها الدلّاع إلى أمر عظيم، بحيث أن الجمل لا يمكنه حمل دلاعتين إلا بمشقة، وهو في غاية الحلاوة مع لذاذة الطعم”، وكلمة “دلاع” هي الكلمة التي يتداولها الليبيون والمغاربة وهي كلمة قديمة يقال إنها من أصل أمازيغي، وجاء في شرح القاموس المسمى تاج العروس: “الدُّلاّع، كرُمّان: نَبَتٌ وأيضاً البِطِّيخُ الشّامِيّ بُلغَة المَغْرِب”.

ولم يكن الحشائشي وحده من لفتت انتباهه وفرة البطيخ في ليبيا، فقد وصف الجغرافي الألماني إيفالد بانزه أسواق طرابلس مطلع القرن العشرين فذكر البطيخ ضمن الفواكه والخضراوات الموسمية المتوفرة بكثرة إلى جانب التمر والرطب والرمان والطماطم، وقبله الرحالة الإنجليزي جورج فرانسيس ليون الذي أشاد بجودته وذكره ضمن فواكه منطقة فزان في ليبيا، وتوثق الصور الأرشيفية لأسواق ليبيا في النصف الأول من القرن العشرين وفرة البطيخ الأخضر الكامل -بلا خطوط- مكدسا في الأسواق الشعبية، وهو النوع ذاته الذي شهده الحشائشي ووصف ضخامته دلاعته بأن الجمل لا يطيق حمل اثنتين منها.

لكن: أين اختفى ذلك البطيخ الأخضر الذي عاش ستة آلاف سنة على هذه الأرض؟ لم يكن اختفاء البطيخ الأخضر التقليدي حدثا ليبيا معزولا، بل جزءا من ظاهرة عالمية يسميها علماء الزراعة “التآكل الوراثي”، حيث تتراجع الأصناف المحلية التي تشكلت عبر قرون أمام أصناف تجارية مهجنة أكثر إنتاجية وأسهل نقلا وتسويقا، وهكذا لم تختف الدلاعة الخضراء لأن أحدا قرر التخلي عنها، بل لأن السوق الحديث فضّل ثماراً أكثر تجانسا وربحية، حتى غدت صورها القديمة في الأسواق الليبية سجلاً لذاكرة زراعية تكاد تتلاشى.


وكان ظهور أصناف البطيخ المهجنة في النصف الثاني من القرن العشرين أحد أبرز محركات هذا التحول. ففي جامعة كانساس الأمريكية، أمضى الدكتور تشارلز هول سنوات في تلقيح أصناف مختارة من البطيخ بعضها ببعض، انتقاء صفة تلو صفة، حتى توصّل عام 1963 إلى صنف جديد أسماه “كريمسون سويت” وهو تهجين بين أصناف عدة من بينها الأفريقي الأصل ذي القشرة الخضراء، فجاءت الثمرة الجديدة بقشرة مخططة بالأخضر الداكن والفاتح، ولب أحمر قانٍ، وحلاوة تفوق ما كان مألوفا، فاز الصنف بجائزة مرموقة في الولايات المتحدة، وسرعان ما لفت أنظار تجار البذور في العالم لأسباب تتجاوز الطعم وحده، فقشرته السميكة تتحمل الشحن لمسافات طويلة دون تلف، ونضجه سريع نسبيا، وإنتاجيته في الهكتار الواحد أعلى من الأصناف التقليدية، انتشر الصنف في أفريقيا والشرق الأوسط خلال السبعينيات حين بدأت شركات البذور الدولية توزيعه على المزارعين، ما أدى إلى تراجع تدريجي للبطيخ الأخضر التقليدي أمام منافس أقوى في السوق، حتى اختفى من أسواق ليبيا كما اختفى من ذاكرة أجيال لم تعرف الدلاعة إلا مخططة.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة