“يبدو مثيرا للتساؤل أن تشتد الفيضانات في مناطق صحراوية معروفة بجفافها الشديد، فهل يمكن للدراسات الحديثة أن تقدم إجابات؟”
اجتاحت سيول عارمة مدينة غات وبلدية تهالة في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وهو توقيت زاد من وطأة الأمر على الأهالي، حيث اضطرت نحو 250 عائلة إلى مغادرة منازلها بعدما ارتفع منسوب المياه وغمر أحياء سكنية بالكامل، وفق ما أعلنه الهلال الأحمر الليبي، كما قطعت السيول كابل الألياف البصرية على الطريق الرابط بين غات وتهالة، ما أدى لقطع الاتصالات والإنترنت عن المنطقة بأكملها، بينما دفعت القطاعات الصحية بقوافل طبية ورفعت درجة الاستعداد في المستشفيات.
ما جرى في تهالة وغات ليس حادثة معزولة، بل يشكل حلقة في سلسلة متكررة من الكوارث ضربت مناطق الجنوب الليبي خلال السنوات الأخيرة، ففي أغسطس 2024، ضربت السيول المنطقة ذاتها بشكل أشد، وأدت حينها إلى وفاة 3 أطفال، كما دمرت نحو 70 منزلا وشردت مئات العائلات، وفي الوقت ذاته، ضربت سيول مماثلة مدينة الكفرة في أقصى الجنوب الشرقي، إذ جرت مياه الأودية الجبلية باتجاه المدينة وخرج مستشفاها الرئيسي عن الخدمة، وأعلنت حالة الطوارئ في مشهد أعاد للأذهان كارثة درنة سنة 2023.
يبدو مثيرا للتساؤل أن تشتد الفيضانات في مناطق معروفة عالميا بجفافها الشديد، لكن العلماء باتوا يملكون تفسيرات أوضح لازدياد هذه الظاهرة عالميا.

تبدأ القصة بالاحترار، فقد خلصت دراسة أعدّتها مختبرات أبحاث غرينبيس في جامعة إكستر البريطانية عام 2022 إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسخن بضعف معدل الاحترار العالمي، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة خمس درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن، وهذا الاحترار المتسارع لا يعني فقط موجات حر أشد، بل يعيد ترتيب دورة المياه في المنطقة بأكملها.
يصف الباحثون في المجلة الجغرافية البريطانية “جيوغرافيكال” ما يجري بأن ارتفاع درجات الحرارة يُسرِّع دورة المياه ويجعلها أكثر تقلبا، مما يؤدي إلى فترات متعاقبة إما من الماء الزائد وإما من الشح الحاد بصورة مفاجئة. بمعنى آخر، الجفاف والفيضان باتا وجهين لعملة واحدة، وقد رصدت أبحاث نُشرت في دورية نيتشر كوميونيكيشنز استنادا إلى فيضانات درنة، أن تآكل التربة الجافة يضاعف من الآثار الكارثية للفيضانات في المناطق الجافة، إذ لا تستطيع الأرض المتشققة استيعاب الأمطار الغزيرة فتتحول فورا إلى سيول جارفة تحمل معها الطمي والحجارة، محذّرين من أن ما جرى في ليبيا قابل للتكرار في مناطق واسعة من شمال أفريقيا.
وعلى المدى البعيد، يتوقع الباحثون أن تشهد الصحراء زيادة في معدلات الأمطار قد تصل إلى 75 بالمئة بحلول 2099، لكن الباحثين يحذرون من قراءة هذا الرقم بتفاؤل مبسط، إذ إن الأمطار المتزايدة لن تتوزع بانتظام على مدار العام، بل ستتركز في هطولات قصيرة ومفاجئة وشديدة الغزارة، وهو النمط الأكثر خطورة.
غير أن التغير المناخي وحده لا يكفي لتفسير حجم الدمار الذي تتركه هذه السيول. ثمة عوامل محلية تحول الأمطار الغزيرة إلى كوارث إنسانية.
فالطرق الرابطة بين البلديات الجنوبية تنقطع في كل موسم أمطار، فتجد المجتمعات نفسها معزولة عن العالم حين تشتد الحاجة إلى الإغاثة، هذا إلى جانب بطء الاستجابة الحكومية، وغياب التخطيط المسبق وعدم التنسيق بين الجهات ونقص المعدات وغياب الشفافية والمساءلة، وهي إخفاقات تتكرر من كارثة إلى أخرى.

كما أن مدنا عدة في الجنوب تقع ضمن منخفضات طبيعية على مسارات الأودية، وهو تموضع يحولها إلى وعاء طبيعي تتجمع فيه المياه المنحدرة من الجبال المحيطة بسرعة عالية عند أي عاصفة. وتزيد طبيعة التربة الطينية في هذه المناطق الأمر تعقيدا، إذ تحدّ من تسرب المياه إلى باطن الأرض، وكثير من منازل مناطق الجنوب قديمة، ومبنية بأساليب لا تراعي مثل هذه الظروف المناخية.
يحذر تقرير صندوق النقد الدولي الصادر عام 2022 من أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستكون من أكثر مناطق العالم تضررا من التغير المناخي خلال العقود المقبلة، مع ارتفاع متوقع في درجات الحرارة، وهو ارتفاع سيزيد من تبخر الرطوبة في الغلاف الجوي ويجعل العواصف المطرية حين تقع أكثر تشبعا بالمياه وأشد تدميرا.
وتكشف الأبحاث عن أن كل فيضان يخلّف تآكلا في التربة يجعل الأرض أقل قدرة على استيعاب الأمطار وامتصاصها في المرة التالية، بمعنى أن حجم السيول قد يكبر مع كل موسم حتى في غياب زيادة في كميات الأمطار، وهو ما يجعل مناطق جنوب ليبيا، التي تعاني أصلاً من هشاشة متراكمة في بنيتها التحتية، أمام استحقاق يتطلب الانتقال السريع من مرحلة الاستجابة للكوارث إلى مرحلة التحصين الفعلي لبنيتها التحتية والمائية على وجه الخصوص.