نشرت مجلة ناشيونال جيوغرافيك التاريخية في عددها الجديد لشهري مايو ويونيو 2026 مقالًا للكاتب والباحث الإسباني روبن مونتويا غونزاليس، يستعيد فيه قصة اكتشاف تمثال أبولو قوريني، أحد أبرز القطع الأثرية الكلاسيكية التي اكتُشفت على الأراضي الليبية، والمحفوظة اليوم في المتحف البريطاني بلندن.
ويروي المقال كيف أن ضابطين بريطانيين شابين، هما روبرت ميردوخ سميث وإدوين بورشر، غادرا جزيرة مالطا عام 1860 بهدف إجراء تنقيبات أثرية في شمال إفريقيا، حيث اختار الرجلان منطقة الساحل الليبي وجهة لهما، إذ كانت تحتضن مواقع أثرية لم تُستكشف بعد، في مقدمتها مدينة قورينا “شحات” التي أسسها الإغريق في القرن السابع قبل الميلاد، قبل أن تدمرها زلازل متتالية في القرن الرابع الميلادي.

يشير الكاتب إلى أن الاكتشاف الأبرز لحملتهما جاء من داخل ما عُرف لاحقا بـ”معبد أبولو”، حيث عثر المستكشفان على تمثال رخامي ضخم ملقى على الأرض، كُسِّرَ إلى ثلاث قطع كبيرة وما يزيد على مائة قطعة صغيرة، يحمل قيثارة وبجانبه أفعى ملتفة حول جذع شجرة، وقد أثار هذا التمثال جدلًا بين المستكشفين حول هوية الشخصية الأسطورية التي يمثلها، قبل أن تحسم الدراسات في لندن لاحقًا أنه أبولو.
ويلفت المقال الانتباه إلى ما يميز هذا التمثال من ناحية فنية ورمزية، إذ يجمع في صورة واحدة بين أبولو إله الموسيقى الحامل لقيثارته، وأبولو القاتل للثعبان بيثون المرعب، في تعبير بصري نادر يدمج حكايتين أسطوريتين في عمل واحد.
ويتوقف الكاتب عند رحلة نقل التمثال، مشيرًا إلى أنها كانت مغامرة بحد ذاتها، إذ نُقلت قطعة على ظهور الجمال وعربتين إلى الميناء، ثم شُحنت إلى لندن حيث خضعت لعمليات ترميم دقيقة في المتحف البريطاني، وأعيد تجميعها من ثلاثة أجزاء رئيسية وما يزيد على مائة وثمانية عشر قطعة.
ويختتم المقال بما رجحه الباحثون من أن التمثال لم يتحطم على يد مخربين بل سقط عن قاعدته جراء زلزال عام 365 ميلادي، وأنه يعود إلى القرن الثاني الميلادي، وهو نسخة من أصل هلنستي أقدم منه بنحو ثلاثة قرون.

ويحتل التمثال اليوم مكانة بارزة في المتحف البريطاني، إذ يقف وسط الصالة المخصصة للمنحوتات الإغريقية والرومانية، شامخًا بارتفاع يبلغ 2.28 متر، رغم أن ذراعه اليمنى ويده اليسرى لا تزالان مفقودتين حتى اليوم.
ويُعيد المقال إلى الواجهة جدلًا قديمًا متجددًا حول نهب الآثار في القرنين الماضيين، إذ طالبت ليبيا رسميًّا باسترداد هذا التمثال خلال مؤتمر مجلس الآثار في القاهرة عام 2010، في سياق النقاش الأوسع حول الآثار التي نُقلت من بلدانها الأصلية إبان حقبة الاستكشافات الأوروبية، وما إذا كان مكانها الطبيعي في متاحف العالم أم في أوطانها التي شهدت ميلادها، ومطالب الاسترداد ليست استثناء في المشهد الدولي الراهن، بل جزء من موجة واسعة تتصاعد زخمها عامًا بعد عام، فاليوم، وفي تحول لافت عن مواقفها التاريخية، باتت المتاحف الكبرى أقل ميلًا إلى تجاهل مطالب الاسترداد كليًّا.
ويحتفظ المتحف البريطاني وحده بمئات الآلاف من القطع الأثرية القادمة من مختلف أنحاء العالم، من بينها مئات القطع التي أخذت من ليبيا، ولا يعرض منها للعامة سوى نسبة ضئيلة، مما يجعل الحجة القائلة بأن الاحتفاظ بهذه القطع في المتاحف الغربية يخدم الاطلاع العالمي عليها محل تساؤل متزايد، وبينما يتواصل هذا الجدل في قاعات الدبلوماسية والأكاديمية، يبقى أبولو قوريني صامتًا في صالته اللندنية شاهدًا على حضارة نشأت على الساحل الليبي وتاريخ طويل من الاستحواذ الذي لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد.
