أكدت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، أن ملف ليبيا ما يزال مفتوحا أمام المحكمة منذ إحالة مجلس الأمن له عام 2011، مشيرة إلى أن التحقيقات مستمرة بشأن جرائم خطيرة يُشتبه بوقوعها بعد سقوط النظام السابق، خاصة داخل مراكز الاحتجاز.
جاء ذلك في لقاء خاص عبر قناة ليبيا الأحرار، حيث أوضحت خان أن التحقيقات تتركز على مزاعم تشمل التعذيب، والقتل، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والاحتجاز غير القانوني، خصوصا في أماكن احتجاز من بينها سجن معيتيقة، مؤكدة أن هذه القضايا تُعد من صميم اختصاص المحكمة.
وقالت خان إن مثول خالد الهيشري أمام المحكمة يمثل “لحظة مفصلية” في مسار العدالة الدولية، باعتباره أول مشتبه به ليبي يمثل فعليا أمام المحكمة، مشيرة إلى أن الادعاء يوجه له 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التعذيب والقتل والشروع في القتل والعنف الجنسي.
وأضافت أن هذه الخطوة قد يكون لها أثر رادع على الجماعات المسلحة والأطراف المتورطة في الانتهاكات داخل ليبيا، معتبرة أن وصول قضايا إلى مرحلة التنفيذ أو الملاحقة الفعلية يبعث برسالة واضحة ضد الإفلات من العقاب.
آلية عمل المحكمة
وفي ما يتعلق بآلية عمل المحكمة، أوضحت خان أن أوامر القبض قد تصدر بشكل سري في بعض الحالات، بهدف حماية الشهود والمجني عليهم، وضمان عدم إفشال عمليات التتبع أو الاعتقال، مؤكدة أن السرية ليست غيابا للتحرك بل جزء من استراتيجية التنفيذ.
كما شددت نائبة المدعي العام على أن المحكمة توازن بين حق الضحايا في المعرفة وبين ضرورة حماية مصادر المعلومات، لافتة إلى أن كثيرًا من الضحايا يشتكون من عدم وضوح ما إذا كانت هناك خطوات فعلية، لكن ذلك يرتبط بطبيعة العمل القضائي الدولي وحساسية الملفات.
وأشارت خان إلى أن مكتب الادعاء لا يمكنه الكشف عن كل الأسماء أو القضايا الجارية، لكنها أكدت أن المحكمة أصدرت حتى الآن 9 أوامر قبض علنية في إطار الملف الليبي، مع استمرار التحقيقات في قضايا إضافية مرتبطة بسياق الانتهاكات.
وفيات المطلوبين
وبشأن الوفيات التي طالت بعض المطلوبين، مثل محمود الورفلي وآخرين، أوضحت خان أن وفاة المتهم تؤدي إلى إغلاق القضية ضده فقط في حال ثبوتها رسميا، لكنها لا توقف التحقيقات الأوسع المرتبطة بالشبكات أو السياق العام للجرائم.
كما تطرقت نائبة المدعي العام إلى وضعية سيف الإسلام معمر القذافي موضحة أن ما يُتداول بشأن وفاته أو عدمها لم يتم حسمه رسميا لدى المحكمة الجنائية الدولية، مشيرة إلى أن المحكمة لم تتلقَّ حتى الآن ما يثبت بشكل قاطع وضعه القانوني من حيث الوفاة أو الاستمرار على قيد الحياة بشكل موثق.
وبينت خان أنه في حال وصول تأكيد رسمي بوفاته، فإن المحكمة تقوم بإغلاق القضية المتعلقة به شخصيا، باعتبار أن المسؤولية الجنائية الفردية تنتهي بوفاة المتهم، وفق الإجراءات القانونية الدولية المعمول بها.
كما أكدت أن الإطار القانوني للمحكمة في ملف ليبيا، منذ الإحالة الأممية عام 2011، يظل قائمًا، وأن العمل لا يقتصر على أسماء محددة بقدر ما يشمل مجمل الانتهاكات المرتكبة ضمن نطاق الاختصاص.
الشهود والقضاء الليبي
كما تناولت مسألة حماية الشهود، مؤكدة وجود برامج متخصصة تشمل إخفاء الهوية، وإجراءات أمنية، وإمكانية نقل الشهود أو عائلاتهم عند الحاجة، لضمان سلامتهم أثناء التعاون مع المحكمة، وفق قولها.
وفي ما يخص العلاقة مع القضاء الليبي، قالت خان إن المحكمة تعتمد مبدأ “التكامل القضائي”، أي أنها تتدخل فقط عندما تكون الدولة غير قادرة أو غير راغبة في الملاحقة، مشيرة إلى استمرار الحوار مع السلطات الليبية، بما في ذلك مكتب النائب العام، لتقييم القدرة المحلية على التحقيق.
كما كشفت أن المحكمة طلبت رسميًا معلومات من السلطات الليبية بشأن بعض المطلوبين الذين يُعتقد أنهم محتجزون داخل البلاد، لكنها لم تتلقَّ تأكيدات نهائية حتى الآن.
كما شددت خان على أن العدالة الدولية يمكن أن تُحدث أثرا ملموسا في تغيير السلوك القضائي والأمني داخل الدول، معتبرة أن قضية الهيشري تمثل مدخلا مهما لإعادة فتح ملفات أوسع تتعلق بمراكز الاحتجاز والانتهاكات في ليبيا، وأن العمل لا يزال مستمرا باعتبار ليبيا من أولويات المحكمة الجنائية الدولية، بحسب قولها.
المصدر: لقاء خاص مع قناة ليبيا الأحرار