شهدت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي جلسات اعتماد التهم بحق القيادي السابق بجهاز الردع خالد الهيشري، في قضية وُصفت بأنها من أبرز الملفات الليبية أمام القضاء الدولي منذ عام 2011.
وتتعلق التهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سجن معيتيقة بطرابلس خلال الفترة بين 2015 و2020، بإجمالي 17 تهمة تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والاستعباد والحرمان الشديد من الحرية.
وتأتي الجلسات، التي تستمر حتى 21 مايو، بهدف تقييم كفاية الأدلة المقدمة من الادعاء العام، والاستماع إلى مرافعات الأطراف كافة، تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن إحالة القضية إلى مرحلة المحاكمة الكاملة أمام الدائرة الابتدائية.
الادعاء العام
وقدّم الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية عرضاً مفصلاً لما وصفه بـ”نظام ممنهج من الانتهاكات” داخل سجن معيتيقة، مشيراً إلى أن آلاف المحتجزين، بينهم ليبيون وأجانب ونساء وأطفال ومهاجرون، تعرضوا للاعتقال دون سند قانوني وظروف احتجاز غير إنسانية.
ووفق ما ورد في مرافعات الادعاء، فإن الهيشري كان أحد أبرز المسؤولين عن هذه الانتهاكات داخل السجن، حيث وُجهت له اتهامات مباشرة بالتعذيب والقتل والاغتصاب والمعاملة القاسية، إضافة إلى استخدام أساليب وصفت بأنها وحشية بحق المعتقلين.
واستند الادعاء إلى شهادات عدد من الضحايا والشهود، الذين تحدثوا عن عمليات إطلاق نار على المحتجزين، وتعليقهم وهم مقيّدون، وضربهم بوسائل مختلفة، إلى جانب استخدام العنف الجنسي والإذلال داخل السجن.
كما نقل الادعاء عن نائبة المدعي العام نزهة شميم خان قولها إن الهيشري كان يُعرف داخل السجن بسمعة سيئة للغاية، واصفة إياه بأنه “من أكبر المسؤولين عن التعذيب”، فيما أطلق عليه بعض الشهود لقب “ملك الموت”، في إشارة إلى ما نسب إليه من أفعال.
وأكد الادعاء أن الجرائم المزعومة وقعت ضمن نمط متكرر ومنظم، وأنها لم تكن حوادث فردية، بل جزءا من منظومة احتجاز وانتهاكات واسعة داخل معيتيقة، مشدداً على أن الأدلة المقدمة تكفي لتأكيد التهم وإحالة القضية إلى المحاكمة.
موقف الدفاع
في المقابل، فند محامي الدفاع عن خالد الهيشري الاتهامات الموجهة لموكله، مؤكدا أن الوقائع الواردة في ملف الادعاء “صيغت على خلاف الحقيقة”، وأنها لا تعكس الواقع الفعلي للأحداث داخل سجن معيتيقة.
وأوضح الدفاع أن السجن يخضع رسميا لسلطة النيابة العامة الليبية ووزارة العدل، وليس لجهاز الردع كما ورد في رواية الادعاء، مشدداً على أن الخلط بين الجهات الإدارية أدى إلى بناء اتهامات غير دقيقة.
كما دافع عن طبيعة جهاز الردع، واعتبره جهة حكومية رسمية أُنشئت بموجب قرارات سيادية، وليس جماعة مسلحة كما تصفه بعض الأطراف، وفق تعبيره.
وفي سياق متصل، اعتبر الدفاع أن الادعاء الدولي تجاهل الإطار المؤسسي الذي كانت تعمل ضمنه الجهات الأمنية في تلك الفترة، مشيراً إلى أن بعض التهم تم تكييفها بصورة غير صحيحة قانونياً.
كما دفع ببطلان بعض الإجراءات المرتبطة بالقضية، بما في ذلك الطعن في الاتفاقية الموقعة بين ليبيا والمحكمة الجنائية الدولية، معتبرا أنها لم تُعرض بشكل قانوني مكتمل، وأن المستندات المقدمة بشأنها غير موثقة بالشكل الكافي.
وذهب الدفاع إلى أن حكومة الوحدة الوطنية التي جرى في ظلها التعاون مع المحكمة لا تملك الصلاحيات الكاملة لتوقيع مثل هذه الاتفاقيات، وفق ما ورد في مرافعاته، ما يثير، بحسب رأيه، إشكاليات قانونية حول الأساس الإجرائي للقضية.
المسار الإجرائي للقضية
وتستمر جلسات اعتماد التهم حتى 21 مايو الجاري، حيث تستمع الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية إلى مرافعات الادعاء والدفاع وممثلي الضحايا، قبل إصدار قرارها بشأن ما إذا كانت الأدلة كافية لإحالة الهيشري إلى المحاكمة الكاملة.
وتعد هذه القضية من أبرز الملفات المرتبطة بليبيا أمام المحكمة، نظرا لحجم الاتهامات وطبيعتها، ولارتباطها بسجن معيتيقة الذي ظل محور جدل واسع بشأن أوضاع الاحتجاز داخله خلال السنوات الماضية.
يُذكر أن السلطات الألمانية كانت قد قبضت على الهيشري في يوليو 2025 بموجب أمر قبض سري صادر عن المحكمة، وجرى تسليمه إلى لاهاي في ديسمبر 2025.
كما مثل الهيشري للمرة الأولى أمام الدائرة التمهيدية الأولى بالمحكمة الجنائية الدولية بلاهاي في 3 ديسمبر الماضي 2025.
المصدر: قناة ليبيا الأحرار