جنبلاط يكشف تفاصيل علاقته بالقذافي: حرب تشاد ‏وموسى الصدر وأبو نضال ‏وأسرار سياسية وعسكرية

قدّم الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط رواية موسّعة ‏عن علاقته بالنظام الليبي ‏بقيادة “معمر القذافي”، متناولًا ‏تفاصيل دقيقة تتعلق بحرب تشاد، والدعم ‏العسكري ‏والمالي، وزياراته إلى القواعد الليبية، وعلى رأسها ‏‏”قاعدة السارة‏‎”‎‏.‏

وأوضح جنبلاط، في حلقة من برنامج شاهد على العصر ‏الذي يعرض على قناة ‏الجزيرة، أن التعاون بين الحركة ‏الوطنية اللبنانية وليبيا في الثمانينيات شمل طلبًا ‏مباشرًا ‏من القذافي بإرسال عناصر من “جيش التحرير الشعبي” ‏للمشاركة في دعم ‏القوات الليبية خلال حربها في تشاد ‏ضد الرئيس التشادي الأسبق حسين حبري‎.‎

وأشار جنبلاط إلى أن آلاف العناصر نُقلوا إلى مناطق ‏صحراوية داخل ليبيا، حيث ‏تولوا مهام دعم ومساندة ‏عسكرية ولوجستية، في ظل ظروف مناخية قاسية، لافتًا ‏‏إلى أنهم لم يخوضوا معارك مباشرة، رغم ذلك توفي أحد ‏العناصر بضربة شمس، ‏حسب قوله‎.‎

وفي هذا السياق، كشف جنبلاط عن زيارة ميدانية إلى ‏‏”قاعدة السارة”، وهي منشأة ‏عسكرية ليبية تقع في عمق ‏الصحراء، حيث استغرقت الرحلة إليها نحو أربع ‏ساعات ‏بطائرة مروحية داخل الأراضي الليبية، وسط تحديات ‏جوية ورملية أثرت ‏على حركة الطيران‎.‎

وقال جنبلاط إن القاعدة تعرضت في تلك الفترة لغارة ‏نفذتها قوات حبري، ما أسفر ‏عن سقوط قتلى من الجيش ‏الليبي، إضافة إلى مقتل مستشارين عسكريين ‏سوفييت ‏كانوا يعملون إلى جانب القوات الليبية‎.‎

وبيّن أن الهبوط في القاعدة كان بالغ الصعوبة بسبب ‏ارتفاع درجات الحرارة وتأثيرها ‏على المحركات، ما ‏استدعى إجراءات تبريد بدائية على أرض المطار، قبل ‏أن تجري ‏عملية الإقلاع لاحقًا بصعوبة بعد تنسيق مع ‏الجانب الليبي، ووجود طاقم طيران ‏روسي وليبي تولى ‏قيادة الرحلة‎.‎

وأشار جنبلاط إلى أن تلك التجربة عكست طبيعة البيئة ‏العسكرية الليبية آنذاك، ‏حيث كانت القواعد الصحراوية ‏تعمل ضمن ظروف تشغيل معقدة، وبعيدًا عن ‏البنية ‏التحتية التقليدية، في إطار التعاون العسكري والسياسي ‏بين ليبيا وعدد من ‏القوى اللبنانية‎.‎

كما أكد جنبلاط أن هذا التعاون لم يقتصر على الجانب ‏العسكري، بل شمل أيضًا ‏دعمًا ماليًّا منتظما للحركة ‏الوطنية اللبنانية، جرى عبر قنوات مصرفية في عمّان ‏‏وبيروت، إضافة إلى إمدادات عسكرية تضمنت أسلحة ‏خفيفة ومتوسطة ومدفعية ‏سوفيتية نُقلت عبر سوريا إلى ‏لبنان‎.‎

كما أشار الزعيم الدرزي إلى أن هذه المرحلة من ‏العلاقات مع ليبيا استمرت حتى ‏نهاية الحرب الأهلية ‏اللبنانية، قبل أن تتراجع تدريجيًا عقب اتفاق الطائف عام ‏‏‏1990 وحلّ الميليشيات اللبنانية، ما أنهى الدور ‏العسكري المباشر لتلك المرحلة‎.‎

قضية موسى الصدر

كما تطرق جنبلاط إلى قضية اختفاء الإمام موسى ‏الصدر، قائلاً إنه طرح على ‏القذافي سؤالًا مباشرًا حول ‏مصير الصدر خلال إحدى اللقاءات، إلا أن الأجواء ‏‏توترت بشكل واضح، وظهر على القذافي “ارتباك ‏وغضب”، ما دفعه إلى تجنب ‏مواصلة النقاش في ‏الموضوع لاحقًا‎.‎

وأضاف الزعيم الدرزي جنبلاط ‏ أن الرواية الليبية التي ‏تحدثت عن مغادرة موسى ‏الصدر إلى إيطاليا لم تكن ‏مقنعة، وأن اختفاءه في ليبيا ظلّ ملفًا غامضًا وحساسًا، ‏لم ‏يتم حسمه رغم مرور سنوات طويلة، وظل يثير جدلًا ‏سياسيًا واسعًا في لبنان ‏والمنطقة‎.‎

وأشار جنبلاط إلى أنه فضّل لاحقًا عدم التوسع في فتح ‏هذا الملف داخل لقاءاته مع ‏القذافي، مبررًا ذلك ‏باعتبارات سياسية مرتبطة بظروف الحرب الأهلية ‏اللبنانية ‏وحاجة الحركة الوطنية إلى استمرار الدعم ‏السياسي والمالي في تلك المرحلة‎.‎

وأشار الزعيم الدرزي إلى أن قضية موسى الصدر بقيت ‏من أكثر الملفات حساسية ‏في تاريخ العلاقات اللبنانية ‏الليبية، وظلت نقطة ظلّ غامضة في سجل تلك المرحلة ‏‏السياسية المعقدة‎.‎

أبو نضال الفلسطيني

كما قدّم الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط رواية عن ‏لقائه بالشخصية ‏الفلسطينية المثيرة للجدل أبو نضال، ‏وذلك خلال إحدى زياراته إلى ليبيا في فترة ‏التعاون مع ‏العقيد الراحل معمر القذافي‎.‎

وأوضح جنبلاط أن اللقاء جرى داخل ليبيا وبحضور ‏القذافي، حيث جرى تقديم أبو ‏نضال بوصفه أحد أبرز ‏قادة العمل الفلسطيني المسلح آنذاك، إلا أن انطباعه عنه ‏‏كان مختلفًا تمامًا عما كان يُشاع في الإعلام‎.‎

وقال وليد جنبلاط إنه تفاجأ بأن صورة أبو نضال ‏كـ”شخصية مرعبة” لم تكن ‏مطابقة للواقع، إذ ظهر له ‏كإنسان ضعيف البنية ومحدود الحضور، رغم سمعته ‏‏الواسعة في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن اللقاء لم يتضمن ‏نقاشًا سياسيًّا عميقًا بقدر ‏ما كان جزءًا من أجواء ‏اجتماعات القذافي مع عدد من الشخصيات العربية‎.‎

وأضاف أن هذه اللقاءات كانت تأتي ضمن سياق أوسع ‏من العلاقات التي كان ‏القذافي يبنيها مع قادة الحركات ‏والتنظيمات السياسية في المنطقة، والتي شملت ‏أطرافًا ‏لبنانية وفلسطينية في إطار مشروعه السياسي في تلك ‏المرحلة‎.‎

وأكد جنبلاط أن تلك التجربة عكست التباين بين الصورة ‏الإعلامية لبعض ‏الشخصيات وبين واقعها الفعلي في ‏اللقاءات المباشرة، ضمن مشاهدات جمعته ‏بعدة قيادات ‏خلال زياراته إلى ليبيا‎.‎

ويعد “صبري البنا” المعروف بـ”أبو نضال” زعيم ما ‏سُمِّيَ “المجلس الثوري” ‏الفلسطيني شخصية محورية في ‏تاريخ الجماعات، التي كانت منذ منتصف ‏الثمانينيات ‏تنفّذ عمليات في أوروبا والشرق الأوسط، بما في ذلك ‏هجمات على ‏مكاتب الخطوط الجوية البريطانية في روما ‏ومدن أوروبية أخرى، وقاد المجلس ‏الثوري في صراعه ‏مع حركة “فتح” داخل لبنان، حيث تصاعدت عمليات ‏القتل ‏المتبادلة، وأدت إلى فقدان الشخصيات البارزة‎.‎

القذافي يقود قاربًا مطاطيًّا

كما روى الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط موقفًا لافتًا ‏خلال إحدى زياراته إلى ‏ليبيا في عهد العقيد الراحل ‏معمر القذافي، عندما شارك في تجربة ركوب قارب ‏‏مطاطي في عرض البحر ضمن نشاط غير تقليدي‎.‎

وأوضح جنبلاط أن القذافي اصطحبه، برفقة “أبو ‏نضال”، في رحلة بحرية على متن ‏قارب مطاطي، حيث ‏كان هو نفسه يتولى القيادة، في أجواء اعتبرها غير ‏مأمونة، ‏خاصة مع اقتراب الغروب ودخول الليل، ما أثار ‏شعورًا بالخوف، حسب وصفه‎.‎

وأضاف وليد جنبلاط‏ أن الرحلة كانت محاطة بقوارب مرافقة من ‏الخلف، لكن ‏القارب الأساسي تعرض لتذبذب في ‏المحرك، ما زاد من خطورة الموقف، قبل أن ‏يتمكن ‏من العودة بسلام بعد توقف الاضطراب‎.‎

وأشار جنبلاط إلى أن القذافي كان يميل إلى تنظيم مثل ‏هذه التجارب غير التقليدية، ‏التي تجمع بين الاستعراض ‏والمخاطرة، ضمن أسلوبه الخاص في التعامل مع ضيوفه ‏‏وإدارة حضوره السياسي‎.‎

تصرفات القذافي في لقاءاته

كما قدّم الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط وصفًا ‏لأسلوب معمر القذافي في إدارة ‏لقاءاته وتصرفاته خلال ‏الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية‎.‎

وقال جنبلاط إن القذافي كان يتصرف أحيانًا بطريقة غير ‏متوقعة، إذ يركز في ‏المتحدث بعينين ثابتتين ثم ينصرف ‏فجأة بنظره إلى اتجاه آخر، ما كان يخلق شعورًا ‏‏بالارتباك لدى الحاضرين وصعوبة في فهم ما يريد قوله ‏أو توجيهه‎.‎

وأضاف أن مواعيد اللقاءات كانت بدورها غير منتظمة، ‏حيث كان بعض الضيوف ‏ينتظرون لساعات أو أيام قبل ‏اللقاء، مشيرًا إلى أن الاجتماعات كانت أحيانًا تُعقد في ‏‏أماكن غير تقليدية مثل الخيام في الصحراء أو داخل باب ‏العزيزية، وفي أوقات ‏متأخرة من الليل‎.‎

المصدر: برنامج “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة