باريس تستضيف معرض “التراث المكشوف” لتوثيق ذاكرة ليبيا الأثرية

انطلق في معهد العالم العربي بباريس معرض “التراث المكشوف.. نصف قرن من التعاون الأثري الفرنسي الليبي”، المقام في متحف المعهد من 13 إلى 20 ‏مايو 2026، ويأتي المعرض في شكل رحلة بصرية عبر مجموعة مختارة من الصور والخرائط ومقاطع الفيديو، لتسليط الضوء على نحو نصف قرن من العمل العلمي الذي أنجزته البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا بالتعاون الوثيق مع السلطات الليبية وعلى رأسها مصلحة الآثار، في محاولة لإبراز غنى التراث الليبي وتنوعه، من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى المرحلة الوسيطة.

ويقدم المعرض بانوراما واسعة لمواقع أثرية ليبية تمتد على كامل الجغرافيا التاريخية للبلاد، من هضبة “مساك” في الصحراء، حيث أنجزت حملة لحفريات الآثار الوقائية في ليبيا، إلى “أبونجيم” والمناطق المرتبطة بدراسة التحصينات الرومانية، مرورا بـ”لبدة الكبرى” و”سوسة”، و”الأثرون” و “منطقة مرماريكا – البطنان”، وصولًا إلى “سرت” بوصفها أول موقع إسلامي نقب عنه من قبل البعثة الفرنسية في ليبيا سنة 1963، كما يتناول المعرض الحفريات البحرية في موانئ “أبولونيا” و”لبدة الكبرى” و”صبراتة”، ويخصص جانبًا لقضية مكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار الليبية، وهي ظاهرة تفاقمت مؤخرًا بفعل الطلب الدولي على القطع الأثرية.

وتزامن المعرض مع احتفاء “البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا” بمرور 50 عامًا على نشاطها عبر التعاون الأثري الفرنسي الليبي، وذلك من خلال أسبوع من الفعاليات يمتد من 10 إلى 15 مايو 2026. وقاد البرنامج مدير البعثة فنسنت ميشيل، إلى جانب مسؤولين من المعهد الفرنسي في ليبيا، وبمشاركة وفد ليبي ترأسه الدكتور محمد الفلوس، مدير مصلحة الآثار الليبية، وضم الوفد عددًا من المختصين الليبيين في التراث والآثار.

وفي سياق الاحتفال بخمسينية البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا، شهد مبنى “مجلس الشيوخ الفرنسي” في باريس مراسم تكريم لعدد من الخبراء الليبيين والفرنسيين، بمنحهم “وسام الفنون والآداب” تقديرًا لإسهاماتهم في حماية التراث الإنساني وتعزيز التعاون الأثري بين ليبيا وفرنسا، وشمل التكريم من الجانب الليبي الدكتور محمد الفلوس، رئيس مجلس إدارة مصلحة الآثار، والدكتور محمد فكرون، عضو مجلس إدارة المصلحة، والدكتور خالد الهدار، أستاذ الآثار بجامعة بنغازي، إلى جانب عدد من رموز البعثة الفرنسية، من بينهم فنسنت ميشيل وكاثرين دوبياس وآخرين. وجاء هذا التوسيم بوصفه اعترافًا بمسيرة طويلة من العمل العلمي المشترك، وبالدور الذي اضطلع به الباحثون والمؤسسات في دراسة وحفظ الأثرية الليبية، وتحويل التراث إلى جسر للحوار الثقافي وتبادل الخبرات بين ضفتي المتوسط.

وتعود جذور البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا إلى عام 1976، حين أطلق عالم الآثار الفرنسي الراحل “فرانسوا شامو” إطلاق العمل الأثري الفرنسي في “أبولونيا – سوسة”، قبل أن يتولى إدارتها لاحقًا “أندري لاروند” منذ الثمانينات ثم “فنسنت ميشيل” منذ عام 2011، وعلى مدى خمسة عقود، لم تقتصر البعثة على التنقيب في موقع واحد، بل توسع عملها ليشمل دراسة وتنقيب وترميم مواقع متعددة من التراث الليبي، إضافة إلى مشاريع بحثية وتوثيقية امتدت إلى النقوش، والفسيفساء، والفخار، والآثار البحرية، وعلم الآثار الوقائية.

وشهد المعرض حضورًا واسعًا من المهتمين بالتراث، والباحثين، والشخصيات الدبلوماسية والعلمية، ولم يكن المعرض مجرد عرض للصور والوثائق، بل بدا حدثًا ثقافيًّا ودبلوماسيًّا في آن واحد، جمع بين ممثلين عن المؤسسات الليبية والفرنسية، وقد عززت الندوة الدولية المصاحبة للمعرض هذا الزخم، إذ خصص “معهد العالم العربي” يومًا علميًّا بعنوان “ليبيا.. 50 عامًا من العمل الأثري الفرنسي الليبي 1976-2026″، بالتعاون مع البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا.

وأقيم اليوم العلمي تحت إشراف “مركز أبحاث ليبيا القديمة”، وبرعاية استثنائية من “أكاديمية النقوش والآداب الجميلة”، وبالتعاون مع “الجمعية الوطنية لعلماء الآثار في فرنسا”، وافتتحت الجلسات بحضور مدير عام معهد العالم العربي وممثلين عن الخارجية الفرنسية، وسط جمهور واسع ومهتم، وأتاح هذا اللقاء رحلة علمية عبر التاريخ الطويل للأرض الليبية، من خلال أربع جلسات أدارها كل من الخبراء الفرنسيين والليبيين،تناولت تاريخ العمل الأثري في ليبيا بشكل عام، والتعاون مع الجانب الفرنسي بشكل خاص.

ويقول القائمون على المعرض إنه يستند إلى مسار علمي بدأ منذ عام 1976، حين تأسست “البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا” رسميًا على يد فرانسوا شامو، ومنذ ذلك الحين، وبدعم من مركز أبحاث ليبيا القديمة المرتبط بجامعة السوربون، وبالتعاون مع مصلحة الآثار الليبية، توسع عمل البعثة ليشمل مواقع تاريخية وأثرية ليبية كثيرة، وجاء المعرض ليقدم خلاصة خمسين عامًا من البحث والتوثيق، كمسار تعاون علمي مشترك.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة