اعتبر “المجلس الأطلسي” أن الاهتمام الأمريكي المتجدد بليبيا خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الثانية لا يستند إلى إستراتيجية مؤسساتية متكاملة، بل يرتبط بدرجة كبيرة بتحركات يقودها مستشار ترمب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، الذي يسعى لتحقيق اختراق دبلوماسي في ليبيا بعد تعثر ملفات إقليمية أخرى، خصوصًا السودان.
وأشار التحليل إلى أن المقاربة الأمريكية الحالية تنطلق من منطق “الاقتصاد أولًا”، إذ تهدف واشنطن إلى توفير حد أدنى من الاستقرار يسمح بإعادة فتح ليبيا أمام الشركات الأجنبية والاستثمارات الكبرى، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، على أمل أن يقود الاستقرار الاقتصادي لاحقًا إلى استقرار سياسي تدريجي.
تحولات إقليمية تدفع نحو التسوية
وأوضح التقرير أن الزخم الدبلوماسي الجديد جاء مدفوعًا أيضًا بتحولات إقليمية ودولية واسعة، مع بدء عدة دول منخرطة في الملف الليبي بإعادة تقييم سياساتها.
فتركيا، بحسب التحليل، بدأت تنفتح تدريجيًا على معسكر خليفة حفتر في الشرق الليبي، مدفوعة بحسابات اقتصادية وبحثها عن اعتراف شرق ليبيا باتفاقها البحري مع حكومة الوفاق السابقة. كما أعادت مصر مراجعة مقاربتها بسبب اعتبارات اقتصادية وأمنية مرتبطة بالسودان والطاقة والعمالة المصرية.
وأضاف التقرير أن فرنسا وإيطاليا أصبحتا أكثر تقاربًا بشأن ضرورة تحقيق الاستقرار في ليبيا، خصوصًا بسبب الهجرة وأمن الطاقة، بينما أبدت روسيا والصين دعمًا عامًا لهذا المسار لأسباب جيوسياسية واقتصادية مختلفة.
خارطة طريق أميركية بأربع ركائز
وبحسب التحليل، ترتكز خارطة الطريق التي يدفع بها بولس على أربعة محاور رئيسية تشمل: اعتماد ميزانية موحدة، وتوحيد المؤسسات العسكرية، وتشكيل حكومة موحدة، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال ستة أشهر من الاتفاق على السلطة التنفيذية الجديدة.
واعتبر المجلس الأطلسي أن اعتماد أول ميزانية موحدة منذ سنوات يُعد أبرز نتائج هذا المسار حتى الآن، إذ يهدف إلى تقليص الإنفاق الموازي، والحد من الفساد، وتوفير موارد إضافية للمؤسسة الوطنية للنفط لرفع الإنتاج.
شركات أميركية تدخل على الخط
وأشار التقرير إلى تصاعد النشاط الاقتصادي بين واشنطن وطرابلس خلال الفترة الأخيرة، عبر لقاءات مع مسؤولين من وزارتي الخزانة والطاقة الأمريكيتين، إلى جانب توقيع شركات أميركية كبرى، بينها شيفرون وبوينغ، اتفاقيات مع جهات ليبية في مجالات الطاقة والطيران والاستثمار.
لكن “المجلس الأطلسي” شدد في المقابل على أن بيئة الأعمال في ليبيا لا تزال شديدة الهشاشة، بسبب الفساد، وصعوبات التحويلات المالية، وغياب الضمانات القانونية، وتعقيدات الإجراءات الجمركية والتعاقدية، ما يجعل تحقيق استقرار اقتصادي فعلي أمرًا بالغ الصعوبة.
المحاصصة العائلية… وصفة لإعادة إنتاج الأزمة؟
وحذر المجلس الأطلسي من أن جوهر المبادرة الأميركية يقوم على ما وصفه بـ”المحاصصة العائلية”، أي تثبيت توازن القوى الحالي بين معسكري خليفة حفتر وعبدالحميد الدبيبة عبر ترتيبات سياسية ومؤسساتية تكرّس نفوذ الشبكات العائلية والعسكرية القائمة.
ورأى التقرير أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة، مستشهدًا بالتجارب السابقة التي أدت فيها صفقات النخب إلى تعميق الفساد والانقسام بدلًا من معالجتهما، كما لفت إلى وجود رفض متزايد داخل غرب ليبيا، خصوصًا في مصراتة، لفكرة تقاسم السلطة مع عائلة حفتر أو فرض تسويات من الخارج.
توترات داخلية تهدد المشروع الأميركي
كما أشار التقرير إلى بوادر توترات داخل معسكر حفتر نفسه، مع تنامي الحديث عن استياء بعض أبناء خليفة حفتر من تصاعد نفوذ صدام حفتر داخل المؤسسة العسكرية والسياسية في الشرق الليبي.
وأضاف أن الرهان على تماسك الشبكات العائلية يبدو محفوفًا بالمخاطر، خاصة مع تقدم حفتر في السن، وعدم وضوح مستقبل توازنات السلطة داخل معسكره، إضافة إلى شكوك مشابهة تحيط بمعسكر الدبيبة وقدرته على الحفاظ على تماسك تحالفاته الداخلية.
استقرار مؤقت لا حل دائم
وخلص “المجلس الأطلسي” إلى أن المبادرة الأمريكية قد تنجح مؤقتًا في خفض التوترات وخلق بيئة أكثر قابلية لتعامل الشركات الأجنبية، لكنها على الأرجح لن تتمكن من معالجة جذور الأزمة الليبية.
وأكد التحليل أن غياب الشرعية الواسعة، والمحاسبة المؤسسية، وعملية سياسية شاملة، قد يجعل خارطة الطريق الحالية مجرد آلية جديدة لإدارة الانقسام الليبي بصورة مؤقتة، بدل أن تمثل تسوية دائمة للأزمة.
المصدر: المجلس الأطلسي