على مدى يومين متتاليين، ضخ مصرف ليبيا المركزي نحو 300 مليون دولار في إطار منظومة البيع النقدي للأغراض الشخصية، ومدّد دوام المصارف حتى السابعة مساء، إلا أن سعر الصرف في السوق الموازية لم يتراجع إلا قليلا، ثم عاد إلى ارتفاعه من 7.77 دينار للدولار مساء الأحد إلى 7.95 ظهر الاثنين، ثم إلى مستويات الـ 8 دنانير يوم الثلاثاء، قبل أن ينخفض نسبيا مجددا إلى ما دونها في إغلاق التداولات، فما الذي يحول دون انعكاس هذه الإجراءات على السوق كما كان متوقعا؟
عقدة التحويل من حوالات إلى كاش
يرجع المحلل الاقتصادي محمد البرغوثي، في تصريح خاص لليبيا الأحرار على هامش اجتماع موسع عقده المصرف المركزي اليوم الثلاثاء، التأخر في انخفاض سعر الصرف إلى تعقيدات إجرائية بنيوية في تنفيذ طلبات النقد الأجنبي النقدي، وليس إلى شح في الموارد، موضحا أن أبرز هذه التعقيدات هي إلزامية الدخول على المنظومة الإلكترونية لتحويل الطلب من صيغة الحوالة إلى صيغة الكاش، وهو إجراء أفضى إلى ارتباك واسع وبطء ملحوظ في التنفيذ الميداني خلال اليومين الماضيين.
ويؤكد البرغوثي أن هذه التعقيدات ستتلاشى تدريجيا، مشيرا إلى أن تلبية الطلب ستصبح فورية بحلول يوليو المقبل، وفق تأكيدات حصل عليها خلال اجتماع اليوم.
وقد استوعبت هذه الفئة من المعاملات (التحويلات من حوالات إلى نقد) ما يقارب 300 مليون دولار تم توجيهها لتلبية طلبات شهر أبريل، فيما رصد المصرف المركزي وفقا للبرغوثي 200 مليون دولار إضافية للتوزيع خلال العشرة أيام الأولى من مايو، إلى جانب 400 مليون دولار تمثل الرصيد المتبقي من مخصصات الشهر.
هذا ويضاف إلى المشكلة الإجرائية عامل هيكلي آخر، يعد من أهم العوامل التي أدت إلى ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية، وهو الطلب المؤجل على البطاقات منذ منتصف مارس الماضي.
المضاربون طرف ثالث يعقد المعادلة
ووفقا للبرغوثي فإن المسألة لا تقف عند حدود الإجراءات والطلب المؤجل، بل تتعداها غلى وجود فئة من المضاربين تعمل على تحدي مصرف ليبيا المركزي على حد تعبيره، وتسعى إلى الحفاظ على الفجوة السعرية بين السوقين الرسمية والموازية، باعتبارها مصدر ربح مباشر لها.
ويرى المحلل الاقتصادي المقرب من المصرف المركزي أن تدفق جزء من الدولارات التي يحصل عليها المواطنون نحو السوق الموازية هو ظاهرة مؤقتة ستتراجع تلقائياً مع تقلص الفجوة السعرية، مُطالباً في المقابل بتطبيق عقوبات رادعة على كل من يتعامل مع شركات صرافة مشبوهة أو غير مرخصة، وبإعادة تعريف دور شركات الصرافة المرخصة لتكمل عمل المصارف لا لتنافسها.
المركزي يصدر تعليمات تصحيحية
في غضون ذلك، كشف المصرف المركزي خلال اجتماعه الموسع اليوم عن جملة من الإجراءات التصحيحية لعملية بيع النقد الاجنبي، منها توسيع شبكة الفروع المخصصة لبيع الدولار نقدا لتشمل مناطق الجنوب البعيدة كغات، وتسريع شحن البطاقات وتصفية الحجوزات المتراكمة لدى مصرفَي الأمان والتجاري الوطني وغيرهما، إضافة إلى منح المصارف بدءاً من الأربعاء صلاحيات التحويل المباشر لصغار التجار بحد أقصى 100 ألف دولار كل ثلاثة أشهر لجميع دول العالم، وهو إجراء طال انتظاره كثيرا.
ووفقا للمحلل الاقتصادي صابر الوحش فإن هذا الإجراء يتيح لفئة صغار التجار استيراد السلع بإجراءات أبسط، ويقلل من حاجتهم للجوء إلى السوق الموازية، مضيفا في منشور على صفحته الرسمية أن تنفيذ الإجراء سيسهم في سحب طلب هذه الفئة من السوق الموازية ويعيد توجيهه إلى مساره الصحيح داخل المنظومة المصرفية، متوقعا أن يكون له أثر واضح وملموس على سعر صرف الدولار إذا تم تنفيذه بكفاءة، وبالتزامن مع الإجراءات الأخرى التي اتخذها المصرف المركزي مؤخرا وفق قوله.
وتكمن خلاصة القول هنا في أن المشكلة ليست في شح الدولار، فقد استلم المصرف المركزي أكثر من مليار دولار أمام أنظار الجميع خلال الشهر الماضي، بل تكمن في تعثر آليات إيصاله من الجهاز المصرفي إلى المواطن بسلاسة وسرعة، بالإضافة إلى تعقيدات المنظومة الإلكترونية، وضغط الطلب المتراكم، ومقاومة المضاربين، فهل ترى ستخضع السوق قريبا بعد تصحيح الإجراءات؟.