لم تُولد طلميثة دفعة واحدة، بل نشأت على مهل من رحم التجارة البحرية، حين كان عمّال الميناء يزاولون إلى جانب أعمالهم البحرية نشاطاً زراعيا بسيطا، ومع مرور الزمان، نمت هذه النقطة الساحلية الصغيرة لتصبح مدينة مستقلة تحمل اسماً جديداً: “بطوليمايس”، يعود أقدم ذكر له إلى بردية كُتبت سنة 252 قبل الميلاد، قبل أن تنحت الألسن الاسم على مرّ القرون ليصير “طلميثة” كما نتداوله اليوم.
بلغت المدينة أوج مجدها في العصر الروماني، حين أصبحت عاصمة للمدن الخمس “البنتابوليس”، فانفتحت أمامها آفاق الازدهار العمراني والتجاري والروحي، وما زالت آثار ذلك الثراء قائمةً حتى اليوم في بقايا القصور والدارات الفارهة المزينة بالفسيفساء والفريسكو، وفي صهاريج مائية ضخمة تحت ساحة المدينة، بنية تحتية عمرها ألفَا عام لا تزال تحتفظ ببعض وظيفتها حتى اليوم، ورغم أن المدينة هجرت بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع، فقد واصل رعاة المنطقة التردّد على هذه الأرض جيلاً بعد جيل، مستخدمين ما تبقى من أحجار وجدران وأعمدة ملاجئَ وظلالا، دون أن يدركوا أنهم يكتبون فصلا جديدا في تاريخ مدينة اعتقد الجميع أنها ماتت.

أكثر من مائة رقعة للعب
في عام 2023، استأنف الفريق الأثري البولندي من جامعة وارسو عمله في طلميثة بعد انقطاع امتدّ قرابة خمس عشرة سنة بسبب الاضطرابات التي شهدتها ليبيا، وبينما كان الفريق يعمل على جوانب متعددة في المدينة، لاحظت عالمة الآثار زوفيا كوفارسكا شيئا لم تتوقعه: شبكات صغيرة منحوتة في الحجر، هنا وهناك، ثم في كل مكان.
توضح كوفارسكا في تصريحات لوكالة الأنباء البولندية PAP: “حين بدأت بحثي، ظننت أنني سأجد بضع نسخ فحسب، لكن في غضون أيام قليلة كنت قد وثّقت أكثر من مائة رقعة وهذا ليس النهاية، إذ سنواصل البحث”. وأضافت: “أحياناً نجد اثنتي عشرة رقعة أو عشرين أو ثلاثين جنباً إلى جنب في موضع واحد”.
الرقعات منحوتة في كتل الحجر الجيري وشظايا الأعمدة الرخامية وجدران المباني القديمة، وتتنوع أشكالها تنوعاً لافتاً: شبكات بسيطة من ثلاثة في ثلاثة تشبه لعبة إكس-أو، وشبكات أكثر تعقيداً تمتد حتى سبعة في سبعة، فضلاً عن تجاويف دائرية منتظمة تنتمي إلى عائلة ألعاب المنقلة المنتشرة في شمال أفريقيا وجنوبها، وينتشر معظمها في الجزء الشرقي من المدينة، على أعالي الجدران المتبقية وفي زوايا المباني أي في نقاط المراقبة المثلى التي تمنح الراعي أوسع مجال رؤية على الأرض المحيطة وقطيعه في آنٍ واحد.
متى نُحتت؟ سؤال بلا إجابة قاطعة
من أكثر جوانب الاكتشاف إثارةً للتساؤل أن كوفارسكا نفسها تعترف بصعوبة تأريخ هذه الرقعات تأريخا دقيقا، فالنقش في الحجر لا يترك وراءه طبقات رسوبية يمكن قياسها، ولا مواد عضوية تصلح للتأريخ بالكربون المشع، غير أن ثمة يقيناً لديها، كل شبكات اللعب هذه نحتت بعد أن هُجرت المدينة كمركز سكاني، أي بعد القرن السابع الميلادي حين أخذت طلميثة تصبح أطلالا، ولكن حين تعجز الأركيولوجيا.. هل يمكن للأنثروبولوجيا أن تتحدث بصوت أعلى؟

السيزة: لعبة عابرة الزمن
هنا يكتسب التوثيق الحديث معنىً خاصا في السياق الليبي، فلعبة السيزة أو الخربقة التي لا تزال حاضرة لدى كبار السن في ليبيا، تقوم على شبكة من الخطوط المتقاطعة تُقسّمها إلى خانات، حيث يضع اللاعبان قطعهما بالتناوب ويسعى كل منهما إلى محاذاة قطعه في صف مستقيم، أو إلى التقاط قطع الخصم بالإحاطة بها من طرفين.
ولم تهمل كوفارسكا هذا الجانب، فقد التقت بشيخ من أهالي طلميثة اليوم لا يزال يحفظ في ذاكرته نوعين من هذه الألعاب تُلعبان إلى اليوم بصورة متبقية: الأولى على شبكة تسع خانات بهدف محاذاة القطع والثانية تقوم على التقاط قطع الخصم بالإحاطة بها، ولم تتغير أدوات اللعب عبر القرون: حجارة صغيرة، وكسر فخار، وبذور، وفي زمننا أغطية البلاستيك. اللعبة في جوهرها لا تحتاج إلى شيء سوى عقل يُفكّر وخصم يُنافس.
ويُرجّح الباحثون أن الرعاة الذين نحتوا هذه الرقعات لم يكونوا في معظمهم من سكان طلميثة الأصليين، بل رعاة موسميون أو متنقلون جاؤوا من مناطق أخرى وأحضروا معهم ألعابهم. هذا يعني أن السيزة وما يشبهها من ألعاب الشبكة كانت ظاهرة ممتدة عبر شمال أفريقيا، تتناقلها الأقدام لا الأقلام، وتترسّخ في المجتمعات المحلية جيلاً بعد جيل حتى وصلت إلينا.

طلميثة ليست الموقع الليبي الوحيد الذي يحمل في حجارته ذاكرة الألعاب. ففي لبدة الكبرى، عُثر منذ زمن على رقعة لعبة “روتا” الرومانية محفورة في بلاطات وسط المدينة، وروتا لعبة دائرية تُنقش على شكل عجلة ذات ثماني شعاعات، يتنافس فيها لاعبان بثلاث قطع لكل منهما يحركانها على تقاطعات الشعاعات بهدف إيقاف الخصم.
ما تقوله لبدة وطلميثة وغيرهما، هو أن الأرض الليبية كانت موطنا لا للتاريخ الملحمي فحسب، بل مسرحا للحياة اليومية، للمنافسة الخفيفة، للضحكة بين رفيقين يقتلان وقت الفراغ.
اللعب كفعل وجودي
في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، أصدر المؤرخ الهولندي يوهان هويزنغا كتابه “الإنسان اللاعب” ليطرح فيه فكرة مقلقة وجميلة في آنٍ واحد: اللعب ليس هامشاً في حياة الإنسان، بل هو أصل الحضارة ذاتها. الطقوس والقانون والفن كلها في جوهرها أشكال لعب تطورت وتعقّدت، والإنسان لا يلعب لأنه فرغ من واجباته، بل إنه يؤدي واجباته إذ يلعب، يقول هويزنغا إن صفة اللعب تتساوى مع صفتي العلانية والإبداع لدى الإنسان، وأن كل السلوك البشري كان عبارة عن أنواع متعددة اللعب، وكما يصفها، فإن أطروحته تقوم على “دمج عنصر اللعب مع مفهوم الثقافة ذاتها، ومن هذا المنطلق يجب عدم فهم اللعب على أنه ظاهرة بيولوجية بل على أنه ظاهرة ثقافية. ولذلك يجب تناول هذه الظاهرة من المنظور التاريخي وليس العلمي”

يبدو واضحا أنه حين نحت ذلك الإنسان المجهول شبكته في صخرة مهجورة، لم يكن يبحث عن الخلود ولا عن الشهرة، بل كان يفعل ما لا تفعله الحيوانات: يخترع وقتا حرا داخل وقت الانتظار. الغنم ترعى لأنها مضطرة، أما الراعي فيلعب لأنه يختار. وهذا الاختيار الحر الصغير، حجر في يد، وشبكة في صخرة، وخصم أمامك هو ما يفصل الإنسان عن بقية المخلوقات.