“رائد الرسامين الليبيين”، هكذا وضع خليفة التليسي “محمد علي لاغا” في موقعه الذي تأخر كثيرًا داخل الذاكرة الليبية، لا بوصفه اسمًا عابرًا ولد في طرابلس ثم غاب في الأرشيف العثماني، بل بوصفه بداية مبكرة لمسار فني ليبي امتد خارج الجغرافيا المحلية، وفي أبريل 2026 عاد هذا الاسم إلى الواجهة من جديد في قاعات الفن التركية، عبر ظهور إحدى لوحاته في مزاد “أرتام” للفن، كأن السوق يعيد فتح نافذة على فنان بدأت حكايته من طرابلس، واستقرت أعماله في المتاحف والمجموعات التركية والعالمية، وخلال السنوات الأخيرة احتفت به مؤسسات ومعارض عدة، وبدأ اسمه يعود من هوامش الكتب إلى واجهة السؤال الثقافي، من هو محمد علي لاغا، الفنان المولود في ليبيا، الذي حفظته تركيا في متاحفها ومزاداتها، بينما ظل اسمه غير قريب من الذاكرة العامة في بلاده الأولى.

وُلد محمد علي لاغا في مدينة طرابلس عام 1878، في زمن كانت فيه ليبيا جزءًا من فضاء عثماني متوسطي واسع، وكانت طرابلس مدينة بحرية مفتوحة على المغرب والمشرق، لا هامشًا معزولًا عن حركة السياسة والثقافة، جاء لاغا من عائلة ذات مكانة دينية واجتماعية كبيرة، فهو حفيد الشيخ محمد ظافر المدني، شيخ الطريقة المدنية، أحد الأسماء الصوفية البارزة في القرن التاسع عشر، وهذا ما منح اسمه تجذرًا أكبر في المشهد الليبي، فقد خرج من بيئة اجتماعية وروحية لها وزنها، ومن عائلة تتصل بتاريخ المدينة الديني والثقافي، ثم مضى إلى مسار عسكري وفني في إسطنبول، حيث ستتكون شهرته وتستقر أعماله هناك.
لا تحدد المصادر تاريخ انتقال عائلته إلى إسطنبول بدقة، لكن المعروف أنه تلقى تعليمه في مدرسة كوللي العسكرية، وهي واحدة من المؤسسات العثمانية العريقة التي جمعت بين الانضباط العسكري والتكوين الثقافي، وهناك بدأت موهبته في الرسم تظهر مبكرًا، درس على أيدي أساتذة كان لهم أثر واضح في تكوينه، من بينهم حسن رضا، في هذه البيئة طوّر لاغا قدراته في رؤية المكان بعين دقيقة، وأن يتعامل مع الرسم لا كزينة أو هواية فقط، بل كوسيلة للملاحظة والتسجيل وفهم الضوء والكتلة والفراغ.

في عام 1896 التحق بالكلية الحربية، وتخرج منها عام 1898 برتبة ملازم ثان في المشاة، وبعد تخرجه أُرسل مرة أخرى لبلده، حيث عمل على امتداد جغرافيتها الممتد من طرابلس وبرقة وفزان، مثل ذلك عودة إلى المجال الذي بدأت منه حياته، ثم رُقي عام 1902 إلى رتبة نقيب، وبقي في طرابلس حتى عام 1905، وهذه المرحلة تمنح علاقته بليبيا قيمة خاصة، فهو لم يكن طرابلسي الميلاد فقط، بل عاد إلى ليبيا في لحظة مبكرة من نضجه المهني، وعاش بين طرابلس وبرقة ضابطًا يحمل في داخله عين الرسام، وقد وصلنا بعض من أعماله الليبية، وكثير منها يحتاج إلى بحث أوسع، لكن وجوده وأعماله المتعلقة بتلك المرحلة تفتح بابًا مهمًّا لفهم علاقته بالمكان الليبي، بالمدينة والساحل والعمارة والضوء المتوسطي.
بعد عودته إلى إسطنبول، انتقل عام 1906 إلى قسم الرسم في رئاسة أركان الجيش، ومع اندلاع حرب البلقان عام 1912 خدم في أدرنة وإسكجة، وبسبب موهبته عُيّن رسام للمنطقة المحصنة، ثم وقع في الأسر لدى الجيش البلغاري عام 1913 ونقل إلى صوفيا، وبعد إطلاق سراحه عاد إلى إسطنبول، ثم أُرسل خلال الحرب العالمية الأولى إلى جبهة جناق قلعة، أو الدردنيل.
ومع أن حياته العسكرية مرت بالحروب والأسر والجبهات، فإن لوحاته لم تنحز إلى ضجيج المعارك ولا إلى العنف المباشر، وهنا تكمن مفارقته الفنية، كان ضابطًا عاش زمن التحولات القاسية، لكنه في الرسم مال إلى السكينة، إلى المناظر الطبيعية، والداخليات، والطبيعة الصامتة، وإلى المشاهد التي يصبح فيها الضوء هو البطل الأول، شارك في معرض “لوحات الحرب وغيرها” الذي أقيم في إسطنبول أواخر عام 1917، ثم انتقل إلى فيينا عام 1918، وهو معرض يحظى بأهمية خاصة في تاريخ الفن التركي، وقد شارك في معارض غلطة سراي على فترات، وعمل معلمًا للرسم في مدارس عسكرية مثل كوللي وبورصة، قبل تقاعده عام 1930، حيث ظل وفيًّا للفن حتى وفاته سنة 1947.

في تاريخ الفن العثماني، ينظر إلى محمد علي لاغا باعتباره واحدًا من الرسامين العسكريين الذين ساهموا في عبور الرسم من وظيفته التعليمية والتوثيقية إلى لغة فنية أكثر حساسية وحرية، كما يوضع ضمن محيط جيل تشاللي أو جيل 1914، الجيل الذي ارتبط بصعود الانطباعية التركية ومحاولة الجمع بين التأثيرات الأوروبية والهوية المحلية، لكن خصوصية لاغا تأتي من كونه ضابطًا تكونت عينه بين المدرسة العسكرية والجبهة، ثم وجد في المنظر الطبيعي والضوء مجالًا للتعبير، لذلك يمكن النظر إليه كحلقة وصل بين الخريطة واللوحة، بين يد الجندي وعين الفنان، بين التوثيق العسكري والانطباعية الهادئة.
ومن الأعمال التي تكشف أهميته لوحة “متعة سعد آباد” المؤرخة عام 1902 والمكتشفة حديثًا، والمحفوظة في متحف صابنجي في إسطنبول، وقد خصت مؤرخة الفن التركية إلفان توباللي هذه اللوحة بدراسة أكاديمية، وترى توباللي أن أهمية اللوحة تعود إلى اختلافها عن كثير من أعمال لاغا من حيث الأسلوب والموضوع، وأنها يمكن أن تُقرأ بوصفها إعادة تفسير للوحة استشراقية عن كاغدخانه للفنان البولندي ستانيسواف خلبوفسكي، لا مجرد عمل عابر في مسيرته.
وترى أن أسلوبه الفني العام، فيقوم على حس انطباعي واضح، وعلى اهتمام خاص بتأثير الضوء في الأشياء، كان يفضل الرسم في الهواء الطلق، ويمنح المباني والمناظر الطبيعية حضورًا هادئًا، بينما يقل حضور الأشخاص في معظم أعماله، وكأن المكان عنده أكثر قدرة على الكلام من الوجوه، ضربات فرشاته لا تبحث عن الحدة الزائدة، بل عن الأثر، عن الانطباع الأول، عن تلك اللحظة التي تذوب فيها التفصيل في الضوء، لذلك تبدو لوحاته ساكنة حتى ونحن نعرف أن صاحبها عاش الحرب، وتبدو بعيدة عن حالة الحرب رغم أنه جاء من قلب المؤسسة العسكرية.

أما أعماله المتعلقة بليبيا، فلم تحظ للأسف بالاهتمام نفسه الذي لاقته أعماله في تركيا، وبقي كثير منها بعيدًا عن الفهرسة المتحفية والدراسة الأكاديمية المنتظمة، غير أن الفضل في إنقاذ جانب من هذه الذاكرة يعود إلى الأستاذ خليفة محمد التليسي، الذي حصل على مجموعة من رسوم لاغا من الحاج محمد الأسطى، كما حصل منه على ترجمته، وقد نشر التليسي هذه المادة توثيقا لما وصفه بشخصية فنية مهمة في تاريخ تطور حركة الرسم الليبي، ويحسب للتليسي هذا الجهد النادر، لا لأنه أعاد التعريف بفنان منسي فحسب، بل لأنه انتبه مبكرًا إلى أن محمد علي لاغا ليس مجرد ضابط في الجيش العثماني أو رسام محفوظ في الأرشيف التركي، بل أحد البدايات المهمة في الذاكرة التشكيلية الليبية.
اليوم، ومع عودة اسمه إلى التداول في مزادات 2026، والمعارض التي خُصصت له في السنوات الأخيرة، تبدو سيرة محمد علي لاغا فرصة لإعادة قراءة تاريخ الفن الليبي من خلال شخصيات عبرت البحر ولم تنقطع عن أصلها، سيرة مليئة بالتنقلات والمفارقات والإبداع، ترك محمد علي لاغا قصة حياة ابن طرابلسي حمل مدينته وبلده في أول السطر، وترك بقية الحكاية معلقة ممتدة بين المتاحف والمزادات والمعارض والذاكرة التي تنتظر أن تستعيده، يكشف لاغا جانبًا من تاريخ ليبي تجاوز الحدود المعتادة، تاريخ شخصيات ليبية تحركت داخل مجالات أوسع جغرافيًّا وسياسيًّا، وشاركت في مؤسساتها ومدارسها وجبهاتها ومسيرتها، كما أسهمت في فنونها وذاكرتها.