من لبدة إلى يورك، قصة سبتيموس سيفيروس.. الليبي الذي أعاد تشكيل روما

في الحادي عشر من أبريل عام 145 ميلادي، شهدت مدينة لبدة الكبرى على الساحل الليبي ولادة لوسيوس سيبتيموس سيفيروس، الرجل الذي سيشق طريقه بشكل استثنائي، وسيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز أباطرة روما، ومؤسس سلالة حكمت الإمبراطورية في واحدة من أكثر فتراتها اضطرابًا وتحوّلًا، ويسجَّل اسمه كأول إفريقي يعتلي عرش الإمبراطورية.

نشأ سيبتيموس في بيئة ثقافية متعددة، امتزجت فيها الجذور البونيقية مع التقاليد الليبية المحلية والثقافة اللاتينية الوافدة والتي اتخذت الشكل الرسمي، وقد أشار المؤرخ كاسيوس ديو إلى أن سيبتيموس ظل طوال حياته معتزًا بأصوله الإفريقية ومعروفًا بها، حتى إن لكنته اللاتينية كانت تفضح موطنه الأول رغم سنواته الطويلة في روما.

تلقى تعليمه الأولي في لبدة، قبل أن ينتقل إلى روما في سن مبكرة حيث تابع دراسته في القانون والبلاغة، وبدأ مسيرته في سلك المناصب الرومانية بدعم من مقربيه، فصعد تدريجيًّا في المناصب الإدارية والعسكرية، وتولَّى مهام في أقاليم مختلفة من بينها سوريا وإسبانيا وصقلية وبلاد الغال، وهو ما أكسبه خبرة واسعة بطبيعة الإمبراطورية وحدودها وتعقيداتها في أرض مترامية الأطراف.

تزوج في شبابه من باكيا ماركيانا، وهي امرأة من مدينته لبدة الكبرى، لكنها توفيت بعد فترة من زواجهما، وبعد وفاتها اقترن بــجوليا دومنا القادمة من سوريا، والتي لعبت دورًا مهمًّا في حياته السياسية وأنجبت منه ولديه كاراكالا وجيتا، اللذين سيصبحان لاحقًا جزءًا من واحدة من أكثر فصول التاريخ الروماني درامية.

جاء صعود سيفيروس إلى الحكم في سياق ما عرف بسنة الأباطرة الخمسة، وهي فترة من الفوضى السياسية أعقبت اغتيال الإمبراطور بيرتيناكس، حيث تمكن سيبتيموس، بفضل دعم جيوشه، من إنهاء الفوضى وفرض نفسه بعد صراعات مع منافسين بارزين مثل بيسكينيوس وكلوديوس البينوس، ليؤسس بذلك السلالة السيفيرية ويعيد رسم موازين القوى داخل الإمبراطورية

لم يكن حضور ليبيا في حياة سيبتيموس رمزيًا فقط، بل ارتبط اسمه بنهضة عمرانية واقتصادية واضحة في موطنه، حيث شهدت لبدة الكبرى توسعًا عمرانيًّا كبيرًا، شمل بناء منشآت ضخمة مثل قوس سبتيموس سيفيروس والبازيليكا والساحات العامة، كما ازدهرت الزراعة في الداخل الليبي، وأصبحت المنطقة من أهم مصادر تزويد روما بالحبوب وزيت الزيتون، في ظل نظام دفاعي عرف بالحدود الدفاعية والذي ساهم في تأمين الحدود وتنظيم الحياة الاقتصادية.

شهدت لبدة الكبرى في عهد سبتيموس سيفيروس تحولًا واضحًا في وضعها داخل الإمبراطورية الرومانية، حيث جرى منحها امتيازات إدارية واقتصادية عززت مكانتها، وقد ساهم هذا التطور في تسارع النمو العمراني وتوسع النشاط الزراعي والتجاري، مما حول لبدة إلى مركز حضري مزدهر يرتبط بشكل أوثق بروما، ويعكس في الوقت ذاته اندماج النخب المحلية في البنية السياسية والاقتصادية للدولة الرومانية.

وعلى الصعيد العسكري، قاد سيفيروس حملات ناجحة، خاصة ضد الإمبراطورية الفرثية في بلاد فارس، وتمكن من دخول عاصمتهم قطسيفون، معززًا بذلك مكانة روما في الشرق، كما توجه في سنواته الأخيرة إلى بريطانيا لقيادة حملة ضد القبائل الشمالية، في محاولة لتثبيت السيطرة الرومانية هناك

وفي عام 211 ميلادي، توفي سيفيروس في مدينة يورك – بريطانيا بعد مسيرة حافلة، تاركًا خلفه إمبراطورية أكثر تماسكًا وقوة، موسعًا حدودها على اتجاهات متعددة، كما ترك وصية لأبنائه تدعو إلى التماسك والحفاظ على ولاء الجنود، إلا أن تلك الوصية لم تلق الاستجابة المثلى، ولم تمنع اندلاع الصراع بينهما لاحقًا.

تولى الحكم بعده كل من كراكلا وغيتا بشكل مشترك، غير أن هذا الترتيب الغريب للحكم لم يدم طويلًا، حيث سرعان ما تفجرت الخلافات بينهما، وانتهت بقتل كاراكالا لأخيه غيتا داخل القصر، في واحدة من أشهر حوادث الصراع على السلطة في التاريخ الروماني، ليحكم بعد ذلك منفردًا، ولم تخل فترة حكمه من قرارات مؤثرة مثل منح الجنسية الرومانية لعدد كبير من سكان الإمبراطورية ما ساهم في توسيع مفهوم المواطنة داخل الدولة، ورغم استمرار حكمه لعدة سنوات لاحقة، فإن اغتيال غيتا ترك أثرًا عميقًا في استقرار الحكم

رغم أن سيفيروس دفن في روما، فإن إرثه في ليبيا ما يزال حاضرًا حتى اليوم، حيث تقف آثار لبدة الكبرى شاهدًا على مرحلة ازدهار قادها ابن المدينة، الذي انطلق من شواطئ شمال إفريقيا ليصل إلى قمة السلطة في العالم القديم، ويترك بصمة ما تزال حية في التاريخ والذاكرة الليبية.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة