حذر صندوق النقد الدولي من أن المسار المالي الحالي لليبيا “غير قابل للاستمرار”، مؤكدا أن العجوزات المالية الضخمة التي بلغت 30% من الناتج المحلي تزيد الضغوط بشدة على سعر الصرف وتستنزف الاحتياطيات الدولية؛ داعيا إلى ضرورة إقرار تعديل مالي عاجل وتعويض إلغاء ضريبة النقد الأجنبي برسوم جمركية لمنع انهيار العملة.
جاء ذلك خلال تقرير أصدره الصندوق إثر انتهاء بعثته برئاسة ستيفاني إيبل، مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع ليبيا، والذي حمل تحذيرات شديدة اللهجة حول الوضع الاقتصادي في البلاد.
وأكد التقرير أنه في غياب الانضباط المالي، فإن الإجراءات التي يتخذها مصرف ليبيا المركزي لاحتواء ضغوط سعر الصرف لن توفر سوى “تخفيف مؤقت” للأزمة.
وأوضح الصندوق أن الاقتصاد الليبي يمر بديناميكية معاكسة ومحفوفة بالمخاطر، حيث توسع الإنفاق العام بشكل مفرط ليصل العجز المالي إلى نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وتضاعف الدين العام ليبلغ 146%.
ورغم إجراء تخفيضين في سعر الصرف منذ أبريل 2025 ومبيعات النقد الأجنبي الكبيرة، أشار التقرير إلى أن الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية لا تزال كبيرة بسبب استمرار الطلب الزائد، مما أدى إلى ارتفاع التضخم لمستويات مزدوجة وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وحذر البيان بوضوح من أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يمثل “خطرا إضافيا” إذا تم استخدامه لتمويل إنفاق استهلاكي جديد، مشددا على ضرورة ادخار الإيرادات غير المتوقعة لإعادة بناء الهوامش الوقائية، محذرا من أن استخدام تدفقات العملة الأجنبية لدعم سعر صرف غير متوافق مع الأساسيات الاقتصادية هو أمر مكلف، ويستنزف الاحتياطيات، ويشوه إشارات الأسعار بمرور الوقت.
وشدد الصندوق على اتخاذ حزمة إصلاحات مالية عاجلة، على رأسها ترشيد الإنفاق العام، حيث انتقد التقرير بشدة حجم الإنفاق الحكومي، مشيرا إلى أن إعانات الطاقة تلتهم 20% من الناتج المحلي، بينما يبتلع بند الأجور 30%، وهي من أعلى المعدلات عالمياً.
كما دعا الصندوق إلى إصلاح عاجل لدعم الطاقة وتوجيهه لمستحقيه، مع استكمال إصلاحات التوظيف لتقليص فاتورة المرتبات، رغم إشادته بخطوة “راتبك لحظي” في تقليل الفساد.
وعلى صعيد الإيرادات وإدارة النقد الأجنبي، رحب الصندوق بالقرار الأخير القاضي بإلغاء ضريبة العملة الأجنبية، لكنه اشترط أن يتم تعويض هذا الإلغاء فورا بزيادة الرسوم الجمركية ورسوم الإنتاج على الواردات، وذلك لمنع تجدد الضغوط والمضاربات في سوق الصرف الأجنبي.
وفيما يخص السياسة النقدية، اعتبر التقرير أن تقارب سعر الصرف الرسمي نحو قيمته الحقيقية سيقلل من حوافز “السعي وراء الريع”، لكنه أكد أن تعديل سعر الصرف بمفرده لا يغني عن الانضباط المالي.
وطالب الصندوق بإنشاء ميزانية موحدة وموثوقة مبنية على أسعار نفط حذرة، منتقداً “عدم كفاية الشفافية” في تمويل ميزانية المنطقة الشرقية مما يضعف الرقابة على الموارد العامة.
كما شدد على ضرورة اعتماد قانون جديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يتماشى مع المعايير الدولية، وتوجيه الواردات عبر النظام المصرفي لتحجيم التدفقات المالية غير المشروعة.
المصدر: بيان بعثة مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي – 2026