“ثلاثية” مرهونة بالإنفاق الموحد قد تغير المشهد الاقتصادي في ليبيا

في غضون أسابيع قليلة، تشابكت ثلاثة محاور ترسم ملامح المشهد الاقتصادي الليبي بصورة غير مسبوقة منذ سنوات، المؤسسة الوطنية للنفط تعلن عن قفزة إنتاج وإيرادات في قطاع النفط والغاز، والمصرف المركزي يتحرك بجرأة على جبهتي الصرف والائتمان، ووزارة المالية تعلن إلغاء الدولار الجمركي في توقيت بالغ الحساسية.

الوقود الذي يشغل كل شيء
حيث تعد قفزة إنتاج المؤسسة الشهري من 36 مليون برميل في فبراير إلى 40.4 مليون برميل في مارس، وارتفاع الغاز من 68.9 إلى 77.5 مليار قدم مكعب تزامنا مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، ليست مجرد أرقام إنتاج بل هي الغطاء المالي الذي يمنح براح التصرف لمحافظ المركزي ناجي عيسى، الذي بدأ بضخ الـ 1.5 مليار دولار التي وعد بها، مؤكدا الاستمرار في الضخ الشهري حتى نهاية العام مدعوما بتضاعف الإيرادات المحولة إليه الشهر الماضي من مليار إلى قرابة ملياري دولار، وتوقعات استمرار وتيرتها إلى حين استقرار الإمدادات العالمية المضطربة على خلفية أزمة مضيق هرمز.

وهنا بالضبط يصبح اكتشاف حوض غدامس مع سوناطراك الجزائرية، واكتشاف مرزق مع ريبسول الإسبانية، والاكتشاف البحري مع إيني الإيطالية، التي أعلنت عنها المؤسسة الوطنية للنفط الأربعاء، أكثر من مجرد بشارات جيولوجية، بل رسائل ثقة موجهة للسوق الموازية ولشركاء العطاءات الدولية التي أرسيت في فبراير الماضي على عقود استكشافية وتطويرية جديدة في قطاع النفط والغاز.

المركزي يحقق النتائج وينتظر توحيد الإنفاق
وبدأت بالفعل انعكاسات ارتفاع أسعار النفط والغاز والزيادة في الإيرادات على سعر صرف الدينار الليبي في السوق الموازية، إذ تراجع من مستويات العشرة دنانير مقابل الدولار حتى لامس 7.9 دنانير يوم الاثنين قبل أن يعود إلى مستويات 8.25-8.30 دنانير نتيجة مضاربات كبيرة في السوق وعدم شروع المصارف في معاملات الدولار النقدي بعد.

ولكن محافظ المصرف المركزي أعلن أمام فريق خبراء من صندوق النقد الدولي الأربعاء أن هدفه الوصول إلى سعر 6.90 دنانير للدولار بعد توحيد الإنفاق العام، مع تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي إلى 5% فقط.


ويستخدم المركزي لتحقيق ذلك أدوات واضحة، ضخ دولاري نقدي عبر شركات الصرافة والمصارف، وودائع مقيدة لمدة سنة تمنح أصحابها حق شراء عملة أجنبية بنسبة 70% من قيمة الوديعة مع حرية تحويلها داخليا وخارجيا، فضلا عن تحويلات دولارية رقمية عبر تطبيقات المصارف وتغطية الطلب على الاعتمادات ومختلف الأغراض.

والمعادلة هنا بسيطة، المؤسسة تنتج وتبيع بأسعار مرتفعة، المركزي يستقبل الإيرادات ويضخ دولارا حيا، السوق الموازية تنكمش كونها تفقد شيئا فشيئا حصرية توفيرها للنقد الأجنبي، ولكن استدامة ذلك يحتاج إلى انضمام عنصر آخر لهذه المعادلة وهي السياسات المالية، سواء عبر إتمام مشروع الإنفاق الموحد واعتماد ميزانية واحدة يمكن للمركزي أن يبني عليها خطته بشكل واضح أو عبر إجراءات ناجعة من وزارة المالية في الاتجاه نفسه.

وزارة المالية هل تغرد خارج السرب أم في إطار توجّه المركزي
ويأتي في هذا السياق قرار المالية بإلغاء “الدولار الجمركي” القديم ومواءمته مع سعر الصرف الرسمي، الذي واجه انتقادا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي في هذا التوقيت، كونه سيرفع من أسعار السلع التي تمر أصلا بموجة سعرية عالية هذه الأيام بسبب ارتفاع فواتير الاستيراد من الخارج على خلفية الحرب في الشرق الأوسط، إذ يقول المحلل الاقتصادي صابر الوحش إنه من المرجح أن يؤدي القرار إلى حالة تضخمية مؤقتة، نتيجة انتقال أثر رفع التكلفة الجمركية بسرعة إلى أسعار السلع، في ظل ضعف المنافسة وغياب الرقابة الفعالة، رغم إعفاء السلع الأساسية من أي رسوم جمركية، مشيرا في منشور على صفحته الرسمية إلى أن القرار يدفع التجار إلى طلب تحوطي متزايد على النقد الأجنبي في ظل توقعات ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يكون سببا في عودة ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية بشكل طفيف اليومين الماضيين وفق قوله.

ويضيف الوحش أن القرار قد يؤدي في المدى القصير إلى زيادة الضغط على السوق الموازية نتيجة ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية، أما على المدى المتوسط، فيتوقع أن يسهم إلغاء السعر الجمركي الخاص في تقليص الفجوة السعرية بين سعر الصرف الرسمي والموازي، فيما يصف القرار بأنه يحمل دلالات عن اتساق السياسات، إذ يسهم في توحيد الإشارات السعرية داخل الاقتصاد، والحد من التشوهات الناتجة عن تعدد أسعار الصرف.

وفي الجانب الإيجابي ذاته من القرار، يقول المحلل الاقتصادي محمد البرغوثي، ‘إن إلغاء الدولار الجمركي سيقلص ما وصفها بفواتير الاستيراد الوهمية التي تستنزف الدولار، موضحا في منشور على صفحته الرسمية أن السلعة التي كانت تكلف 100 دولار ورسم جمركي 10% كانت تحتسب على أساس دولار جمركي قديم بـقرابة دينارين، ويعني ذلك أن الرسم الجمركي لهذه السلعة سيقفز من 20 دينارا إلى 65 دينارا بسعر الصرف الرسمي، مما سيزيد أيضا من إيرادات الجمارك في خزينة الدولة.

وما يجعل المشهد مثيرا للاهتمام هو أن المكونات الثلاثة، الإنتاج النفطي المتصاعد، والذخيرة المالية الحقيقية التي يمتلكها المركزي هذه المرة، والإصلاح الجمركي عبر وزارة المالية وإن كان أثره قاسيا، جميعها إجراءات لن يتوّجها إلا توحيد الإنفاق العام، عندها فقط سيشعر المواطن بزيادة في قوة الدينار الشرائية حتى وإن ظل دخله ثابتا، ويعد ذلك رهينة توافق سياسي أوسع يترقب الجميع نتائجه في الأيام القادمة.

المصادر | ليبيا الأحرار – المؤسسة الوطنية للنفط – مصرف ليبيا المركزي

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة