يعد الخروف “البرقي” الليبي أكثر من مجرد سلالة أغنام، فهو بمثابة العمود الفقري للثروة الحيوانية الوطنية وموردا اقتصاديا إستراتيجيا، إلا أنه اليوم يواجه تحديات جسيمة تجتمع فيها عوامل الطبيعة مع تنامي ظواهر التهريب والفوضى، مما ينذر بتحول اللحوم الوطنية إلى رفاهية بعيدة المنال بالنسبة للمواطن ذي الدخل المحدود.
خصائص فريدة وفرص مهدرة
إن ما يميز الخروف “البرقي” إلى جانب مذاقه الخاص، انخفاض نسبة الدهون فيه بفضل “اللية” المثلثة الصغيرة، حيث لا تتراكم الدهون في منطقة الذيل بشكل يقلل من جودة الذبيحة، في حين يعطي “البرقي” نسبة لحم أحمر مرتفعة مقارنة بوزن العظام والدهون، وهو ما يضعه في مراكز متقدمة مقارنة بسلالات عربية أخرى في تفضيلات المستهلكين.
هذا ويحبذ المربون تربيته لقدرته البيولوجية التي تفتقر إليها سلالات أخرى، إذ يتحمل العطش والجفاف ويمتلك قدرة فريدة على السير لمسافات طويلة أثناء الرعي، كما يتميز بمقاومة عالية للأمراض مما يقلل من تكلفة تربيته.
تحديات طبيعية تهدد تعداد الأغنام الوطنية
ولكن قطاع التربية الحيوانية في ليبيا يواجه منذ أكثر من عقد تحديات جمة بعوامل متداخلة تعود غالبا إلى غياب السياسات وفقدان دور الدولة الرقابي والرادع، حيث غابت حتى الإحصائيات الرسمية التي تعد أساسية لفهم متطلبات القطاع ومتابعته، ويعود آخر مصدر للتعداد الإجمالي للأغنام في ليبيا إلى منظمة “الفاو” التابعة للأمم المتحدة بنحو 7.5 مليون رأس عام 2024، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى تراجعها إلى ما دون 6 ملايين رأس مطلع عام 2026.
ووفقا لما تحصلت عليه ليبيا الأحرار من معلومات من خلال التواصل مع مربين في المنطقة الشرقية، فإن الخروف “البرقي” تحديدا واجه ضربة قاصمة عقب العاصفة دانيال، حيث جرفت السيول نحو 40 ألف رأس من الأغنام وتضرر قرابة 400 مربي مواشٍ، والأخطر من ذلك كان تدمير مساحات شاسعة من المراعي الطبيعية قدرت بنحو 29 كيلومترا مربعا من الغطاء النباتي في المنطقة وفقا لمنظمة الفاو، مما دفع المربين نحو الذبح الاضطراري لقطعانهم لعدم قدرتهم على مجابهة تكاليف العلف البديل، وهو ما أحدث خللا في التوازن العددي لسلالة “البرقي”.
ولكن هذا الخلل لم يتوقف عند حدود الكارثة الطبيعية، بل امتد إلى ما بعدها من انتشار للأمراض الجلدية المعدية والأوبئة بين الأغنام، مما أدى إلى حالات نفوق وحالات ذبح مستعجلة للإناث أيضا.
ومن جانب آخر يقول أحد المربين في مدينة طبرق “لا نجد مساحات للرعي بسهولة، الجفاف وتصحر الأراضي يحاصرنا” مشيرا إلى انحسار مساحات الرعي مما أصبح يتسبب في مشاكل بين القبائل والمناطق، في مشهد يتكرر حتى في أقصى الغرب، إذ يشتكي أصحاب أراض زراعية في الرحيبات مما يصفونه بتعدي الأغنام والرعي الجائر، في حين أعلنت بلدية سيناون بدورها مؤخرا منع ممارسة نشاط الرعي لقطعان الإبل والأغنام القادمة من خارج الحدود الإدارية للبلدية.
التهريب يعمق أزمة “البرقي”
وإلى جانب العوامل الطبيعية يواجه الخروف “البرقي” طلبا كبيرا من وراء الحدود، ونشاط تهريب متنامياً بهوامش ربحية كبيرة مقارنة بالسوق المحلية، فبينما يعاني المربي المحلي من غياب الدعم وعدم استقرار سعر الصرف وأسعار الأعلاف وأنواعها، ينشط المهربون في نقل أفضل السلالات “البرقاوية” إلى الخارج بحثا عن أرباح سريعة بالعملة الصعبة، حيث يقول مدير إدارة الثروة الحيوانية بمنطقة الجبل الأخضر صالح بومباركة إن الخروف “البرقاوي” يواجه حالة استنزاف هذه الفترة مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، مشيرا في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الليبية الأحد إلى أن ليبيا لا تمتلك فائضا يسمح بالتصدير، بل تحتاج إلى الحفاظ على ثروتها الحيوانية وتنميتها أكثر من أي وقت مضى.
ووفقا لمصادر مطلعة فإن الخروف “البرقي الثمون” يباع بنحو 4,700 دينار في الأسواق، بينما يفصلنا عن عيد الأضحى أقل من شهرين، هذا ويحذر أحد مربي الأغنام في تصريح لليبيا الأحرار من وصول سعر الأضحية من “البرقي” إلى حاجز 7000 دينار في حال استمرار نزيف التهريب وغياب الدعم المباشر للأعلاف والرقابة على الشركات المستوردة وفق قوله.
الأعلاف تثير جنون المربين
وفي سياق متصل، يعيش المربي الليبي حالة من “الاختناق المالي” بسبب الفجوة الواسعة بين الأسعار الرسمية والواقع في السوق السوداء، فعلى الرغم من تحديد وزارة الاقتصاد في يناير 2026 لأسعار أعلاف الأغنام بـ210 – 225 دينارا للقنطار، فإن غياب الرقابة الفعلية جعل السعر في السوق الموازية يقفز إلى 300 دينار، ويدفع هذا الفارق السعري الذي يصل إلى 33% العديد من المربين إلى التخلص من “الإناث” لتأمين السيولة، في ظاهرة توصف بـ”تبديد الأصول الوراثية” للدولة الليبية.
الأمر الذي دفع الحرس البلدي في مدينة بنغازي إلى إعلان ملاحقة أصحاب “السلخانات” والقصابين مؤخرا جراء ذبح الإناث من الأغنام والماعز، مستندا إلى القانون رقم (15) لسنة 1989م بشأن حماية الحيوان والأشجار.
هذا ويوضح أحد المربين أن اختلاف أنواع الأعلاف وفقا لما هو متوفر ومناسب سعريا، يجعل المربي أمام تغيير مستمر في الأعلاف لأغنامه، ما يؤثر سلبا على سير عملية تغذيتها وتهيئتها للمواسم وينعكس على جودة لحمها.
تلاعب جيني قد ينهي “البرقي” مع مرور الوقت
وتفاعلا مع حالة عدم الاستقرار الاقتصادية وغياب الرقابة الفعلية، يحاول البعض استغلال المساحة التي تركتها “الدولة” لهم لتحقيق مكاسب إضافية، إذ يقول مستشار الإنتاج الحيواني حاتم تربح إن الخروف “البرقي” يتعرض منذ فترة إلى تدخل جيني يغير من خصائصه شيئا فشيئا، مؤكدا في تصريح لقناة ليبيا الأحرار أن إناثاً من الخراف السودانية تستخدم كأم للخروف “البرقي” الأصيل وتنتج سلالة مشوهة وفق تعبيره، ويضيف أنه من الممكن التعرف عليها بسهولة من خلال ملاحظة الذيل الطويل في مؤخرة الخروف وحجم “اللية” الكبير مقارنة بـ”البرقي” النقي.
ويوضح تربح أن الاستثمار في الثروة الحيوانية واجب وطني لم يعد مجرد نشاط زراعي تقليدي، بل هو قطاع اقتصادي عابر للحدود يمتلك فرصا هائلة للنمو، مستشهدا بتجارب نيوزيلندا وأستراليا، مضيفا أن سر نجاحهما لم يقتصر على عدد القطعان، بل في اعتماد معايير الجودة العالمية وسلاسل التوريد المتكاملة، حيث أن بناء نموذج للاستثمار في النوعية لا الكمية سيفتح آفاقا رحبة لزيادة الصادرات والاستفادة من جودة الخروف البرقي وجعله طلبا عالميا وفق قوله.
المصادر: ليبيا الأحرار + الفاو + وكالة الأنباء الليبية