كشفت دراسة حديثة أعدّها باحثون من جامعة ليدز ونشرتها مجلة “هيريتج”، أن التدهور الذي يطال التراث العمراني في مدينة غدامس لا يرتبط فقط بالعوامل الظاهرة أو الأزمات المباشرة، بل يعود بدرجة كبيرة إلى ما تصفه الدراسة بـ”المخاطر البشرية الصامتة”، وهي مجموعة من العوامل التراكمية التي تتطور ببطء مع الزمن، على رأسها ضعف الحوكمة، والإهمال المؤسسي، وتراجع الوعي المجتمعي بقيمة هذا الإرث الثقافي.
وأدرجت مدينة غدامس على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 1986، وتعد واحدة من خمس مواقع ليبية مدرجة على قوائم اليونيسكو، نظرًا لقيمتها التاريخية والمعمارية الفريدة بوصفها واحدة من أقدم المدن الصحراوية المأهولة في المنطقة، ومع تصاعد التحديات الأمنية والإدارية في ليبيا، أدرجت المدينة عام 2016 في قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، قبل أن تعلن اليونسكو في عام 2024 رفعها عن هذه القائمة، بعد تحسن نسبي في أوضاع الحماية واستقرار الظروف، في خطوة عكست إمكانية الحفاظ على الموقع رغم التحديات المستمرة، وتشتهر المدينة بمهرجانها السنوي الذي يجذب أعدادًا كبيرة من السياح من داخل البلاد وخارجها.

وتشير الدراسة الحديثة إلى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في الانهيارات المفاجئة، بل في “تآكل غير مرئي” يحدث تدريجيًّا نتيجة وجود خلل مؤسسي واضح، يتمثل في تشتت المسؤوليات بين الجهات المعنية وغياب إستراتيجيات واضحة لإدارة المخاطر، هذا الواقع يؤدي إلى تأخر أعمال الصيانة وغياب المتابعة المنتظمة، ما يسمح بتفاقم الأضرار دون رصد مبكر، وفي كثير من الحالات، تبدو المباني التراثية سليمة ظاهريًّا، بينما تتدهور بنيتها الداخلية بصمت حتى تصل إلى مراحل حرجة يصعب علاجها، كما لفتت الدراسة إلى أن تقييم المخاطر غالبا ما يتم بشكل غير منهجي أو قائم على الانطباع الشخصي، بدل الاعتماد على أدوات علمية دقيقة، وهو ما يزيد من هشاشة الاستجابة ويجعل التدخلات تأتي متأخرة.
كما تنقل الدراسة عن عدد من الخبراء المحليين ملاحظاتهم بشأن تراجع دور الكفاءات المحلية في إدارة التراث، مشيرين إلى أن ابتعاد الخبراء المحليين عن مواقع صنع القرار، أو ضعف إشراكهم في عمليات الحماية والإدارة، أسهم في تفاقم بعض المشكلات، وهو ما انعكس سلبًا على جودة تلك التدخلات وعلى فهم خصوصية النسيج العمراني التقليدي، خاصة في ظل الاعتماد على قرارات أو ممارسات لا تستند دائمًا إلى الخبرة الميدانية المحلية.
وتشير الدراسة إلى تأجير بعض المنازل التراثية في غدامس للعمالة الوافدة في ظل غياب ضوابط واضحة للصيانة أو الاستخدام، موضحة أن هذا النمط من الاستغلال، رغم كونه استجابة لاعتبارات معيشية واقتصادية، يساهم في تسريع تدهور المباني، نتيجة الاستخدام المكثف وغياب العناية اللازمة، وتبرز الدراسة أيضا جانبًا لافتًا يتمثل في فقدان بعض المواقع لقيمتها الرمزية لدى السكان، نتيجة إغلاقها لفترات طويلة أو تحويلها إلى استخدامات إدارية وأمنية، ما يجعلها تُرى كمبان عادية بدل أن تكون معالم تاريخية، هذا التحول في نظرة المجتمع لا يقل خطورة عن التدهور المادي، لأنه يضعف الدافع الاجتماعي للحفاظ على التراث، ويخلق فجوة تدريجية بين السكان ومحيطهم الثقافي.

وتوضح الدراسة أن التدهور يتغذى من مزيج معقد من الممارسات اليومية والضغوط الاقتصادية والتحولات الاجتماعية. فالإهمال المستمر، والاستخدام غير المناسب للمباني التراثية، وتأجيرها دون صيانة كافية، كلها عوامل تسهم في تسريع التآكل. كما تشير إلى تراجع ارتباط بعض الأجيال الجديدة بالقيمة الثقافية للتراث، ما يجعل بعض المواقع تُعامل كأراضٍ غير مستغَلة أو حتى عبء اقتصادي، وتلفت الدراسة إلى أن هذا التراجع في الوعي لا يحدث فجأة، بل يتشكل تدريجيا في ظل غياب برامج توعوية أو سياسات تربط المجتمع بتراثه بشكل أكثر فعالية.
ومن الجوانب المثيرة التي تسلط عليها الدراسة الضوء أن بعض عمليات الترميم نفسها قد تتحول إلى عامل سلبي، نتيجة استخدام مواد غير أصلية أو عمالة غير متخصصة لا تراعي خصوصية البناء التقليدي، ما يؤدي إلى إضعاف البنية بدل الحفاظ عليها، كما تلعب السياحة غير المنظمة دورًا إضافيًّا في زيادة الضغط على المواقع، من خلال النفايات والكتابات على الجدران وسلوكيات فردية مثل ترك علامات وأسماء، وتضيف الدراسة عوامل أقل وضوحًا لكنها مؤثرة، مثل الرطوبة الناتجة عن أنشطة زراعية قريبة، والتوسع العمراني غير المخطط الذي يغيّر وظيفة المكان ويضع التراث تحت ضغط اقتصادي واجتماعي مستمر.
ورغم هذه التحديات المتراكمة، تؤكد الدراسة أن غدامس لا تزال تحتفظ بقيمة ثقافية ورمزية عالية، وأن جزءًا من المجتمع المحلي لا يزال مرتبطًا بالمدينة القديمة ويدرك أهميتها التاريخية، وهو ما يشكل نقطة انطلاق مهمة لأي جهود حماية مستقبلية. وتشير إلى أن هذا الوعي، رغم تباينه، يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع وتراثه، خاصة إذا دُعم بسياسات أكثر تنسيقًا، وتعزيز مشاركة السكان في إدارة التراث، وتطوير آليات فعالة قادرة على التعامل مع المخاطر التراكمية وليس فقط الأزمات الطارئة.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل غدامس لا يتحدد فقط بقدرة الجهات الرسمية على الحماية، بل بمدى استعادة العلاقة القوية بين المجتمع وتراثه، مشيرة إلى أن الحفاظ على المدينة لا يتعلق بالمباني وحدها، بل بإبقاء قيمتها حية في الوعي اليومي للسكان، وهو ما يشكّل العامل الحاسم لاستدامة أي جهود حماية على المدى الطويل.