شباك الفتحات الصغيرة المحظورة تدمّر التنوع البيولوجي على السواحل الليبية

في مدينة مصراتة، يواصل الصياد يونس السويحلي، 66 عاماً، العمل بأساليب الصيد التقليدية التي تعلّمها منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ويعتمد على الصيد الموسمي، مستخدماً شباكاً بفتحات كبيرة نسبياً، ويلتزم بمواسم الصيد القانونية، متجنباً الممارسات غير المشروعة، لكن ما يرصده اليوم يتجاوز مجرد تراجع في الكميات.

فطبيعة الصيد نفسها تغيّرت، مع انتشار ممارسات مدمّرة مثل الصيد بالمتفجرات واستخدام أدوات غير قانونية، ما أثر بشكل مباشر على وفرة الأسماك وتوازن المخزون البحري.

في ليبيا، تسهم ممارسات الصيد غير المنظمة في استنزاف الحياة البحرية، حيث تؤدي الشباك ذات الفتحات الصغيرة وصيد الجر القاعي إلى اصطياد الأسماك اليافعة وتدمير موائل قاع البحر.

ومع ضعف الرقابة وتزايد الضغوط الاقتصادية على الصيادين، تتصاعد المخاوف بشأن استدامة المخزون السمكي ومستقبل المجتمعات الساحلية.

ومع كل موسم، تتراجع الكميات وتتغير طبيعة البحر نفسه، مدفوعة بأنشطة مثل الجر القاعي واستخدام الشباك ذات الفتحات الصغيرة.

وقال السويحلي في تصريحات لقناة ليبيا الأحرار إن الحل يبدأ من الصيادين أنفسهم: “إذا لم نحترم البحر، لن يحترمنا. فالصيد المستدام ليس خياراً، بل ضرورة”. إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم المشكلة.

ثروة تتجاوز عائدات النفط

بحسب تحليل أجرته قناة ليبيا الأحرار ضمن هذا التحقيق، استناداً إلى بيانات منصة Global Fishing Watch، تواصل سفن الجرف القاعي العمل داخل المياه الإقليمية الليبية، مسجلة آلاف ساعات الصيد، بما في ذلك نشاط سفن أجنبية، ما يشير إلى استمرار هذه الممارسات رغم القيود المفروضة.

ورغم أن ليبيا تمتلك قانوناً للصيد يعود إلى عام 1989 يمنح السلطات صلاحية تنظيم المواسم وأدوات الصيد، فإنه لا يُطبَّق بصرامة، كما يبقى تنفيذه في عرض البحر بالغ الصعوبة دون التزام فعلي من أساطيل الصيد.

هذا الفراغ التنظيمي سمح بانتشار واسع لاستخدام الشباك ذات الفتحات الضيقة التي تُعد محظورة أو مقيدة في العديد من دول المتوسط.

وفي تعليق على هذه المعطيات، قال صابر العزابي، وكيل وزارة الثروة البحرية، لقناة ليبيا الأحرار: هذه النتائج تعكس واقعًا مقلقًا لقطاع الصيد البحري في ليبيا، وتؤكد وجود تجاوزات مستمرة، بما في ذلك من قبل سفن أجنبية داخل المياه الإقليمية، خاصة بعد 2011.

حيث استغلت بعض السفن، فترات غياب الرقابة، خصوصًا في مراحل الاستقرار النسبي، للدخول إلى المياه الإقليمية الليبية وممارسة الصيد الجائر”.

وأضاف: “ورغم تراجع هذا النشاط نسبيًا في السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال قائمًا ويشكل تهديدًا للثروة البحرية”.

وأشار العزابي إلى أن “استمرار هذه الممارسات، حتى وإن تراجعت نسبيًا، ينعكس بشكل مباشر على المخزون السمكي، خاصة مع استهداف الأسماك الصغيرة ومناطق التكاثر”.

ويرى العزابي، أن الثروة البحرية في ليبيا لا تزال تملك إمكانات كبيرة، لكن إدارتها بشكل غير منظم يهدد مستقبلها، مضيفًا أن استغلالها بطريقة مستدامة يمكن أن يجعلها موردًا اقتصاديًا يفوق في أهميته عائدات النفط.

حرث البحر

في هذا السياق، يعبّر الصياد صلاح التائب عن قلقه من واقع البحر، قائلاً إن “جميع الشباك التي تُرمى تعود فارغة”، في إشارة إلى استنزاف الثروة السمكية، مطالبًا بفرض رقابة فعّالة لحماية مواسم تكاثر الأسماك.

وبصفته صياداً صغير النطاق، يخرج بقاربه الخشبي الصغير ليصطاد ما يمكنه في ذلك اليوم.

وتعتمد بعض سفن الصيد الكبيرة على شباك جر تُعرف محلياً بـ“الجرّافات”، وتتميّز بفتحات ضيقة جداً تتراوح بين 20 و30 مليمترًا.

هذه المقاسات لا تترك فرصة للأسماك الصغيرة للنمو، إذ تُصطاد قبل بلوغها مرحلة التكاثر، إذ تلتقط كل ما في مسارها، من الكائنات القاعية إلى البيوض، وهو ما يصفه الصيادون بأنه أشبه بعملية حرث لقاع البحر.

ويتابع في حديثه لقناة ليبيا الأحرار “شباك الفتحات الصغيرة لا تترك شيئاً، حتى أصغر الأسماك تُصطاد وتموت. بينما أصبح البحر يُفرّغ يوماً بعد يوم”.

في المقابل، يرفض بعض الصيادين هذه الممارسات ويتمسكون بأساليب أكثر استدامة، رغم ما يواجهونه من خسائر متزايدة.

اختلال المواسم

وانعكست هذه الممارسات على مواسم الصيد، حيث باتت أقصر وأقل إنتاجاً.

ويشير الصيادون إلى أن البحث عن الربح السريع دفع البعض إلى تجاوز قواعد الصيد، ما أدى إلى إجهاض المواسم قبل أن تبدأ.

ومن بين هؤلاء، يقول الصياد محمد سويسي إن سبل عيشهم باتت مهددة، مضيفًا: “نحن نعيش من خيرات هذا البحر. وعندما نرى الجرّافات تسحب أطناناً من الأسماك الصغيرة، نشعر أن جهودنا بلا جدوى”.

وأشار إلى أن السبب الوحيد في بقاء بعض مخزونات الأسماك الصغيرة في البحر المتوسط، هو القوانين الصارمة وآليات المراقبة المفروضة في دول مجاورة مثل تونس والجزائر، بينما تبقى المياه الليبية عرضة للاستغلال.

ورغم حجم الأضرار الواضحة، لا يبدو أن ذلك حدّ من انتشار هذه الظاهرة، إذ تشير شهادات ثلاثة بحارة حاورتهم “ليبيا الأحرار” إلى استمرار، بل وتزايد، نشاط المتطفلين على القطاع، ممن تستقطبهم شبكات الصيد غير القانوني.

أظهرت دراسة نُشرت في مجلة  Science of the Total Environment عام 2024 أن صيد الجر القاعي يضر بالمجتمعات القاعية، ويؤثر بشكل واضح على بنية الكائنات الكبيرة في قاع البحر، كما يغيّر بعض العمليات البيئية المرتبطة بالكربون في الرواسب البحرية.

وقدّرت دراسة أخرى نُشرت عام 2021 في مجلة  Natureأن صيد الجر القاعي يحرّك كميات من الكربون على نطاق يُقارن بانبعاثات قطاع الطيران العالمي بأكمله

فرصة ضائعة

اقتصادياً، تشير الدراسات إلى أن صيد الجر القاعي يقوّض استدامة المصايد الصغيرة والمستدامة في البحر المتوسط، من خلال خلق اختلالات هيكلية في السوق وزيادة الضغط على مخزونات سمكية تعاني أصلاً من الاستنزاف.

هذا يعني أن البحر الليبي يفقد توازنه البيئي، وأن المخزونات السمكية التي يعتمد عليها آلاف الصيادين باتت على حافة الانهيار.

لكن استمرار هذه الممارسات يهدد بتحويل هذه المناطق من ملاذات آمنة إلى مناطق استنزاف.

ويقول رئيس الجمعية الليبية لأصدقاء الصيد الحرفي، إسماعيل الشقمان، لقناة ليبيا الأحرار: “المشكلة لم تعد فردية، بل ظاهرة تهدد قطاع الصيد بالكامل، خاصة مع انتشار الصيد غير المنظم القاعي والشباك المخالفة”.

ويضيف: “نعمل ميدانياً داخل الموانئ، وننظم ورشاً توعوية للصيادين لشرح مخاطر الصيد الجائر، مع إشراكهم كجزء من الحل”.

وتابع أن الوعي بين الصيادين في تزايد، مشيراً إلى الاهتمام المتنامي بحماية السلاحف البحرية كمثال.

وبينما تتواصل هذه الممارسات، يجد الصيادون الصغار أنفسهم في مواجهة واقع يتغير بسرعة.

بالنسبة ليونس وغيره من البحارة الذين التزموا بقواعد الصيد لعقود، لم يعد البحر كما كان، مع تراجع الكميات وتزايد الضغوط على مصدر رزقهم.

ورغم ذلك، يواصل هؤلاء الصيادون العمل بما توفر، في انتظار تدخل فعلي يعيد تنظيم القطاع ويحمي المخزون السمكي في مناطق تُعد من الأغنى بيئيًا في البحر المتوسط.

لكن في غياب رقابة فعالة وإدارة مستدامة، يضل مستقبل هذه المهنة مهددًا، ومعه سبل عيش آلاف الأسر الساحلية.

أُنتج هذا التقرير بدعم من شبكة صحافة الأرض التابعة لمنظمة إنترنيوز

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة