“الوضع بالغ الخطورة” وقد نشهد أزمة طاقة أسوأ من تلك التي شهدها العالم في السبعينيات مجتمعتين (1973 – 1979)، هكذا قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول الأسبوع الماضي، محذرا في تصريحات نشرتها وكالة فرانس بريس من أن الحرب في الشرق الأوسط تتجاوز في تداعياتها على إمدادات الطاقة حرب الخليج والثورة الإيرانية اللتين كلّفتا العالم نحو عشرة ملايين برميل يوميا مجتمعتين، حيث بلغ الفاقد الحالي أحد عشر مليون برميل يوميا تزامنا مع انهيار سوق الغاز أيضا.
ارتفاع أسعار النفط وتأثير كرة الثلج
قبل اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كان سعر برنت عند مستوى 73 دولارا للبرميل، إلا أنه قفز مع إغلاق مضيق هرمز إلى 120 دولارا بتاريخ التاسع من مارس، أي بارتفاع بلغ 65% خلال أسبوعين فحسب،  ثم تراجع نسبيا مع إفراج دول وكالة الطاقة الدولية مجتمعة عن 400 مليون برميل من احتياطياتها الطارئة قبل أن يعاود الارتفاع؛ إذ تجاوز البرميل 116 دولارا في نهاية مارس، مسجلا ارتفاعا تراكميا تاريخيا بلغ أكثر من 60% منذ بدء الحرب. 
وما إن ترتفع أسعار النفط حتى تبدأ سلسلة متتابعة تسمى بتأثير “كرة الثلج”، حيث ترتفع أسعار الوقود بأنواعه وتزيد تكاليف الشحن جوا وبحرا وبرا وترتفع تكاليف المصانع والكهرباء غير النظيفة وهلمّ جراً، وهذا ما بدأ بالحدوث بالفعل إذ ارتفعت على صعيد الوقود في المحطات أسعار الديزل في دول أوروبية كألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا إلى أكثر من يوروهين للتر، في حين سجّلت إسبانيا بنسبة 27% لتصل إلى 1.79 يورو للتر، بينما تُعدّ أيرلندا الأعلى سعرا في المنطقة بـ 2.3 يورو. 
هذا ويقدر صندوق النقد الدولي أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط يقابله زيادة 0.4% في معدل التضخم، وتراجع 0.15% في النمو الاقتصادي. 
كيف تتعامل الدول الأخرى مع الأزمة؟
تركيا التي تستورد 90% من نفطها و98% من غازها، يضيف كل ارتفاع بـ10 دولارات في سعر البرميل ما بين 4.5 و7 مليارات دولار على عجز حسابها الجاري، ومع اشتعال الدولار وسقوط الليرة، اضطر البنك المركزي التركي إلى التدخل، حيث استنزفت الدولة قرابة 40 مليار دولار من احتياطياتها بالعملة الأجنبية في مارس فقط، وخفضت وفق بيانات رسمية احتياطيات الذهب بـ56.6 طنا للدفاع عن عملتها وكبح جماح التضخم.
أما مصر الجارة، فتشهد هذا الأسبوع تطبيق حزمة إجراءات تقشفية صارمة أقرتها الحكومة المصرية، تتضمن إغلاق المراكز التجارية والمحال والمقاهي عند التاسعة مساء أيام الأسبوع والعاشرة ليلتي الجمعة والسبت، مع تقليص الإضاءة العامة والعمل عن بعد في جميع المصالح الحكومية يوم الأحد، في محاولة لتخفيض فاتورة استهلاك الوقود.
وفي الضفة الأخرى من المتوسط، كانت البرتغال أولى الدول الجنوب أوروبية في اتخاذ إجراء ملموس، إذ أعلنت خفضًا استثنائيا مؤقتا لضريبة الديزل بـ3.55 سنتا للتر، أما فرنسا فجاء أبرز ردّها من شركة TotalEnergies لا من الحكومة، حين أعلنت الشركة تجميد أسعار الوقود حتى نهاية الشهر، وفي إيطاليا، اعتمدت روما توظيف الإيرادات الإضافية لضريبة القيمة المضافة لتعويض المستهلكين، أما إسبانيا فأقرت حزمة طوارئ بقيمة خمسة مليارات يورو، خفّضت بموجبها الحكومة ضريبة القيمة المضافة على جميع أنواع الطاقة من 21% إلى 10%، فضلًا عن تحديد سقف لسعر غاز البوتان. 
. 
في أسيا وتحديدا كوريا الجنوبية أعلن الرئيس يي جاي – ميونغ تجميد أسعار الوقود للمرة الأولى منذ نحو ثلاثين عاما، وأطلق صندوق استقرار اقتصادي بنحو 68.3 مليار دولار، في حين أعلنت باكستان على لسان رئيس وزرائها شهباز شريف، في خطاب متلفز حزمة طوارئ تقشفية شاملة، شملت تحويل الدوام الحكومي إلى أربعة أيام في الأسبوع مع عمل 50% من الموظفين عن بعد، وإغلاق المدارس أسبوعين، بينما تنازل الوزراء وأعضاء البرلمان الفيدراليون والمحافظون عن رواتبهم ومخصصاتهم لشهرين، وخفضت رواتب المشرعين بنسبة 25%، وحظرت الاجتماعات الحضورية الحكومية. 
ورغم تأثرها، فإن الصين تقف في موقع أفضل من دول آسيوية أخرى بفضل مخزوناتها الإستراتيجية التي تبلغ 1.4 مليار برميل، واستمرار وارداتها عبر خطوط أنابيب روسية، وتقارير بأن إيران تسمح لناقلاتها بعبور المضيق بشكل استثنائي، ولكن بكين لجأت إلى تقليص تصدير المشتقات النفطية للحفاظ على مخزونها الداخلي كإجراء احترازي. 
ماذا تفعل ليبيا؟
وفي ظل كل ذلك، تخيم حالة من الصمت الحكومي على المشهد في ليبيا سواء من قبل حكومتي الدبيبة وحماد، دون تقديم أي إحاطات للمواطنين حول تداعيات ما يجري في المنطقة والإجراءات الاحترازية التي يمكن أن تقوم بها ليبيا استجابة لهذا الواقع الجديد، في ظل انكشاف اقتصادها بنسبة تفوق 90% على الخارج، كونها تستورد جل احتياجاتها من السلع بما فيها الوقود، وتعتمد على مصدر دخل واحد لا تمكنها بنيتها التحتية من الاستفادة من فرص ارتفاع أسعاره وتغطية فجوات الطلب عليه كما تستفيد دول نفطية قريبة منها مثل الجزائر وأخرى بعيدة كروسيا.
ويبقى تأخر الإجراءات الاحترازية مُكلِفا على المستوى القريب في حال تطورت الأوضاع سلبا في الشرق الأوسط وطال أمد الحرب، الأمر الذي قد يُنذر بتآكل المخزون الإستراتيجي من الحبوب والسلع لا سيما في ظل التوقعات بأزمة اقتصادية عالمية تتجاوز أزمة عام 2008.
المصدر: وكالات