غاليريا دي بونو تعيد الجدل حول الأسماء الاستعمارية في ليبيا

أطلقت بلدية طرابلس المركز استطلاعا للرأي العام أمام المواطنين بشأن تغيير اسمي غاليريا دي بونو وغاليريا ماريوتي، في رد فعل على عودة الجدل في ليبيا حول أسماء المواقع ذات الإرث الاستعماري إلى الواجهة مجددا، غير أن أهمية هذه القضية لا تكمن في الاسم ذاته بقدر ما تكمن في ما يكشفه من عدم الوضوح الإجرائي والقانوني في التعامل مع إرث الحقبة الإيطالية، فبعد أكثر من سبعين عاما على الاستقلال، ما تزال بعض الأسماء المرتبطة بشخصيات استعمارية حاضرة في الفضاء العام، دون إطار واضح يحدد كيفية التعامل معها، هذا الجدل يعكس أيضا تحولا في الوعي العام، حيث لم تعد المسألة مجرد تفصيل تاريخي، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة الهوية والعدالة الرمزية.

وندد معلقون باستخدام حسابات حكومية رسمية لاسم “غاليريا دي بونو”، معتبرين أنه نوع من التمجيد وتخليد اسم جنرال إيطالي ارتكب جرائم في حق الليبيين، وانعكاسا لحالة من التطبيع مع الإرث الاستعماري، بينما اعتبر معلقون آخرون التسمية مجرد إجراء شكلي، وتفاعل آخرون مع مبادرة بلدية طرابلس المركز، واقترحوا أسماء بديلة للغاليريا، من بينهم وزير الخارجية الأسبق عبد الرحمن شلقم الذي اقترح تسميتها على الفنان الراحل محمد حسن، فيما طرح آخرون عودة اسم رواق الكرامة، وهي تسمية أطلقت على الغاليريا في السابق ولم يجر تداولها بشكل واسع.

وتجاوز الجدل نطاقه المحلي ليشهد تغطية دولية من صحف ومجلات وشخصيات مهتمة بالتراث الاستعماري، ونقلت وكالة “نوفا” الإيطالية فرانشيسكا ريكوتي، رئيسة جمعية الإيطاليين المرحلين من ليبيا، اعتبارها أن هذه المسألة شديدة الحساسية لأنها تمس العلاقة بين الذاكرة التاريخية والهوية، مؤكدة أن “من المشروع تماما أن يعيد المجتمع الليبي النظر في آثار ماضيه ويعيد تعريف رموزه على أنه لا ينبغي أن تؤدي إلى محو التاريخ، بل إلى فهم أعمق له” على حسب تعبيرها، وأضافت أن العمارة والأسماء تروي قصة فترات معقدة، فالوجود الإيطالي في ليبيا كان جزءا من مرحلة يجب تفسيرها بتوازن، مع الاعتراف بالمسؤوليات، مقترحة إنشاء لوحات تعريفية مرفقة بصور وشروح تروي أصول هذه الأماكن وتاريخها، بما يمنح المواطنين والزوار أدوات لفهم دلالاتها بدل الاكتفاء بإزالتها أو تجاهلها.

تاريخ إعادة تسمية الأماكن في ليبيا يتجسد في مسار متدرج، فبعد الاستقلال سنة 1951م، جرت بالفعل عمليات تغيير لعدد من أسماء الشوارع والساحات والمرافق والقرى ذات الطابع الإيطالي، خاصة في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي، حيث استبدلت بأسماء مرتبطة بالاستقلال أو الرموز الوطنية، إلا أن هذه العملية لم تكن مؤطرة بقانون خاص، بل تمت غالبا عبر قرارات بلدية أو إدارية متفرقة، مستندة إلى صلاحيات تنظيمية عامة تتعلق بإدارة المدن والتي منحت للبلديات صلاحيات تغيير أسماء شوارعها ومناطقها، لاحقا في الثمانينات، تعززت القوانين البلدية بالاتجاه نحو التشديد على تعريب الفضاء العام بشكل أوسع، والقوانين التي حظرت استعمال غير اللغة العربية في اللافتات والمعاملات، ومع ذلك، فإن هذه التشريعات -المثيرة للجدل أصلا- جاءت في سياق لغوي ثقافي عام، ولم تصمم خصيصا لمعالجة الإرث الاستعماري، وهو ما يفسر استمرار بعض الأسماء الإيطالية حتى اليوم، خاصة في مجال التداول غير الرسمي، ما يعيد الجدل حولها بشكل دوري.

في تجارب دولية مشابهة، عولجت تسمية الأماكن ضمن أطر قانونية واضحة ومؤسسات مختصة، في جنوب أفريقيا، ينظم قانون مجلس الأسماء الجغرافية لسنة 1998 العملية عبر مجلس وطني مختص يضع معايير تشمل الاعتبارات التاريخية واللغوية ومشاركة المجتمع، ويشترط إجراءات استشارة عامة قبل اعتماد أي تغيير، وفي الجزائر، رغم أن عملية إزالة الأسماء الاستعمارية بدأت مباشرة بعد الاستقلال، فقد تعززت لاحقا بأطر قانونية ضمن قوانين الجماعات المحلية وتنظيم البلديات، التي أعطت للدولة سلطة واضحة في إعادة تسمية الفضاء العام بما يتماشى مع الهوية الوطنية، هذه النماذج تظهر أن معالجة هذه المسألة يتطلب بنية قانونية واضحة ومؤسسات قادرة على إدارة التوازن بين التاريخ والهوية والاستقرار الإداري.

وتعد إعادة تسمية الأماكن واحدة من أكثر قضايا السياسة الرمزية تعقيدا، وقد أنتجت نقاشات واسعة في مجالات ما بعد الاستعمار والجغرافيا النقدية ودراسات الذاكرة، ويرى البعض أن الأسماء الاستعمارية تمثل استمرار الهيمنة الرمزية وأن إزالتها شرط أساسي لاستكمال الاستقلال ليس سياسيا فقط بل ثقافيا أيضا، وتستخدم المدارس القومية تغيير الأسماء أداة لبناء سردية وطنية جديدة حيث تستبدل أسماء المستعمرين برموز الاستقلال والشهداء في عملية إعادة كتابة للفضاء العام بما يعكس هوية الدولة الحديثة، بينما تبدو مدارس أخرى أكثر حذرا، إذ تعتبر أن الإزالة الكاملة قد تؤدي إلى محو طبقات من الذاكرة وأن وجود سرديتين لنفس المكان ممكنة، وقد يكون جزءا من فهمه لا تناقضا معه.

وعرفت عملية تغيير الأسماء الاستعمارية الإيطالية في ليبيا توجهات متعددة، فمنها ما استعاد اسمه السابق، كقريتي “كريسبي” و”غاريبالدي” في مصراتة، وهما من نماذج القرى الاستيطانية الإيطالية التي أنشئت خلال فترة الاحتلال، حيث أعيدت تسميتهما بعد الاستقلال إلى اسميهما المحليين “طمينة” و”الدافنية”، فيما اتخذت بعض التسميات أبعادا نضالية واضحة، مثل قرية “ماميلي” في الجبل الأخضر التي أصبحت تعرف باسم “عمر المختار”، و”بيازا إيطاليا” التي تحولت لاحقا إلى “ميدان الشهداء” في طرابلس، بينما شهدت تسميات أخرى تغييرات ذات طابع هوياتي وثقافي، كشارع “دا فينشي” الذي أصبح “شارع سيدي البهلول”، أو تغييرات وظيفية مباشرة، مثل طريق “فيا بالبو” الذي أصبح يعرف باسم “الطريق الساحلي”، وهو ما يعكس تعدد الأنماط التي حكمت هذه العملية بين الاستعادة والرمزية والتبسيط، ويبقى سؤال استعادة الذاكرة في الفضاءات العامة قائما حتى اليوم.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة