“فرص ضائعة” من يد المؤسسة الليبية للاستثمار

كشف التقرير الأحدث لمنظمة “ذا سينتري” حقيقة صادمة تكسر الرواية السائدة حول “شلل” المؤسسة الليبية للاستثمار بسبب العقوبات الدولية التي تجمد أصولها البالغة قيمتها 62.85 مليار دولار في أكثر من 70 دولة.

 حيث أكدت الأرقام التي رصدها التقرير المستند على بيانات شركة “ديلويت” الأمريكية وتقييمات المؤسسة الرسمية أن 50% من إجمالي الأصول تقريبا أو ما يعادل 30 إلى 33 مليار دولار هي أصول غير مجمدة وقابلة للإدارة الفعلية، إلا أن الإدارات المتعاقبة فشلت في تحقيق أي نمو يذكر في قيمتها منذ عام 2011 ، ما فوت فرصا ربحية تقدر بمئات الملايين من الدولارات.

فبينما تتحجج المؤسسة مرارا وتكرارا بقرارات التجميد الدولية التي تمنعها من تحقيق الأرباح، يضع تقرير “ذا سينتري” اليد على الجرح الحقيقي، وهو وجود ما يصل إلى 25 مليار دولار غير مجمدة تماما وقابلة للإدارة الكاملة، يضاف إليها 9.5 مليار دولار مجمدة لكنها “مجازة للإدارة النشطة”.

لندن: ضياع 79 مليون دولار في مبنى واحد

وفي هذا السياق تعد استثمارات المملكة المتحدة مثالا صارخا للفشل في الانتفاع من الأصول غير المجمدة، حيث يبرز مبنى “Jardine House” الذي تقدر قيمته بـ 72 مليون دولار وفقا للتقرير كأحد مظاهر هذا الفشل، حيث بقي شاغرا منذ 2013 رغم أنه يقع في قلب المركز المالي للندن، مما تسبب في ضياع 79 مليون دولار كعوائد إيجارية محققة كان يمكن أن تضخ في خزينة الدولة أو في صندوقها السيادي، وهو مبلغ يتجاوز القيمة الأصلية للعقار.

وأزال التقرير النقاب عن دخل غير موثق، يتجاوز 538 مليون دولار ناتج عن ثلاثة مبان كبيرة في العاصمة الإنجليزية منذ عام 2011، لم تدرج في سجلات المؤسسة الرسمية مما يضع الكثير من الشبهات حول قنوات التصرف في هذه الأموال الهائلة.

أفريقيا: استثمارات ضخمة وعوائد “هزيلة”

هذا ويوضح التقرير أن سوء الإدارة امتد ليشمل الاستثمارات النشطة في القارة السمراء، فعلى الرغم من ضخ سيولة تتجاوز 210 مليون دولار في جنوب أفريقيا لم تجن ليبيا سوى 7.2 مليون دولار كأرباح موزعة حتى عام 2024، مع بقاء أصول كبرى مثل فندق “ميكيلانجيلو” مغلقة لسنوات دون خطة تشغيل واضحة.

 ووثق التقرير ضياع أصول بمليار ومائة مليون دولار في ليبيريا وزامبيا نتيجة غياب الرقابة القانونية والإدارية، مما سمح بتبخر استثمارات واستيلاء جهات غير معلومة على عوائدها، كما حدث في حادثة مصادرة شركة الاتصالات الليبية في زامبيا التي ترتب عنها خسارة بقيمة مليار دولار، إضافة إلى تبخر استثمارات في فندق “دوكور” ومصانع المطاط في ليبيريا، وذهاب إيجارات مبنى ” بان أفريكان بلازا ” البالغة أكثر من 50 مليون دولار إلى جهات مجهولة عوضا عن حسابات المؤسسة.

غياب الشفافية في 80% من العقارات

هذا ولم يتوقف سوء الإدارة عند الفشل الاستثماري، بل امتد لسلامة البيانات المالية، إذ كشف تقرير “ذا سينتري” أن 80% من عقارات المؤسسة سجلت عليها “تحفظات” في تقييمات عام 2023 التي قامت بها شركة التدقيق الأمريكية “ديلويت”، وأدّى هذا الغموض المحاسبي لوجود فجوات تصل إلى 300 مليون دولار بين الأرصدة الفعلية والدفترية، مما يفتح الباب على مصرعيه لشبهات الفساد وتضارب المصالح.

مستقبل ثروة الأجيال في مهب الريح

وبينما تكشف هذه الأرقام عن نهج إداري متخبط يتقاطع مع ضغوط خارجية في بعض الدول للاستيلاء على بعض الأصول المجمدة يطرح سؤال محوري حول مدى صمود صندوق ليبيا السيادي الذي يمثل ثروة الأجيال القادمة أمام كل هذه التحديات، وإذا ما سيكون يوما ما رافدا حقيقيا للاقتصاد الوطني وشاهدا على استثمار حقيقي في مورد النفط، المصدر الأول لدولارات كل هذه الاستثمارات.

فإن ليبيا تواجه اليوم فرصا توسعية كبيرة في تصدير النفط والغاز لتغطية الفاقد من دول كالعراق وقطر والكويت والإمارات، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، ولكنها تظل مكبلة أمام توفير البنية التحتية اللازمة لذلك في واقع تسجل فيه بيانات مصرف ليبيا المركزي عجزا دولاريا شهريا تجاوز 2.2 مليار في يناير وفبراير الماضيين معا، كل ذلك في حين تضيع المؤسسة الليبية للاستثمار فرصا ربحية لاستثمار أكثر من 30 مليار دولار يمكن أن تضخ بشكل منظم للاستثمار في البنية التحتية النفطية وتنويع مصادر الدخل.

المصدر: تقرير منظمة “ذا سينتري”

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة