تصدر اسم السفينة الهجومية الأمريكية: يو إس إس طرابلس (USS Tripoli) عناوين الأخبار العالمية مؤخرا، بعد التقارير التي كشفت عن تحركها نحو منطقة الشرق الأوسط ضمن تداعيات الحرب على إيران، هذا التحرك لا يحمل دلالات عسكرية فحسب، بل يحيي اسما ارتبط بصراع طويل بين مشاة البحرية الأمريكية “المارينز” والأسطول الليبي في العهد القرمانلي فوق الأراضي الليبية منذ أكثر من قرنين.

وفقاً للتقارير العسكرية الأخيرة، وجهت الولايات المتحدة السفينة الهجومية البرمائية USS TRIPOLI LHA 7 نحو الشرق الأوسط، برفقة قوة تقدر بحوالي 2500 جندي من مشاة البحرية، وتأتي هذه الخطوة بحسب الولايات المتحدة ضمن جهودها للسيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، ووفق تقارير، فقد رصدت السفينة عبر صور الأقمار الصناعية وهي تبحر بالقرب من تايوان، مما يعني أنها في طريقها لوجهتها الجديدة، وتستغرق الرحلة ما بين أسبوع إلى أسبوعين لتصل إلى مياه الخليج العربي.
ودخلت السفينة الخدمة رسميا في يوليو 2020، وهي واحدة من أكثر السفن الهجومية تطورا في العالم. وهي مصممة لتكون قاعدة طيران عائمة حيث يبلغ طولها 844 قدماً، وتزن حوالي 44,000 طن، وعلى عكس السفن البرمائية التقليدية، تم تصميم “تريبولي” لتركز بشكل مكثف على العمليات الجوية، حيث تستوعب أحدث مقاتلات الجيل الخامس من طراز F35.
ثالث سفينة تحمل هذا الإسم.
يثير اسم السفينة فضول الكثيرين، والحقيقة أن هذه السفينة هي الثالثة في تاريخ البحرية الأمريكية التي تحمل اسم “طرابلس” والذي كان يطلق قديما على ليبيا الحالية، بدأت هذه السلالة مع السفينة الأولى (USS Tripoli CVE-64)، وهي حاملة طائرات مرافقة دخلت الخدمة عام 1943 إبان الحرب العالمية الثانية حيث استخدمت في المحيط الأطلسي لمواجهة الغواصات الألمانية، ثم جاءت السفينة الثانية (USS Tripoli LPH-10)، وهي سفينة هجومية برمائية خدمت بين عامي 1966 و1995، وبرز اسمها في حرب فيتنام، لكن محطتها الأبرز كانت في مياه الخليج العربي عام 1991 فخلال العمليات العسكرية ضد العراق، تلقت السفينة ضربة مباشرة بلغم بحري عراقي، وصولا إلى السفينة الثالثة والأحدث (USS Tripoli LHA-7)، التي ينظر إليها الأمريكيون على أنها ذروة التطور التكنولوجي في السفن الحربية.
لماذا أطلق عليها اسم طرابلس؟
وبحسب البحرية الأمريكية، فقد حملت السفينة هذا الاسم تخليدا لمعركة درنة التي درات ضمن أحداث الحرب البربرية الأولى، التي جرت بين الولايات المتحدة وإيالة طرابلس القرمانلية (ليبيا) بين عامي 1801-1805م، وشهدت أحداثا ومعارك وحصارا وأحداث عسكرية مهمة، من أبرزها أسر السفينة الأمريكية يو إس إس فيلادلفيا، ومعركة درنة.
وفي 27 أبريل من سنة 1805 تمكنت القوات الأمريكية بعد قتال عنيف من السيطرة على مدينة درنة فيما اعتبر أول انتصار لقوات المارينز الأمريكية على أرض أجنبية، وقد كانت القوة رغم اعتبارها أمريكية في السردية التاريخية الأمريكية، فقد كان الجيش في غالبه مكونا من مرتزقة أجانب وعدد قليل من المارينز، بقيادة ضابطين أمريكيين هما ويليام إيتون، الذي عمل دبلوماسيا ومبعوثا وقتها، وبريسلي أوبانون، بالتحالف مع أحمد باشا، شقيق يوسف القرمانلي الذي كان في صراع معه، وقد شقت القوات طريقها في رحلة عبر الصحراء انطلاقاً من مصر إلى درنة، مدعومة بقصف عنيف من ثلاث سفن حربية أمريكية “أرغوس، وهورنيت، ونوتيلوس” تولت حصار درنة وقصفها من البحر.

وواجهت البحرية الأمريكية مقاومة عنيفة من قوات يوسف باشا القرمانلي والتعزيزات التي أرسلها إلى جانب أهالي درنة، واستمرت المعركة لمدة أسابيع، وكان قائد القوة الأمريكية إيتون يأمل في استمرار الزحف في اتجاه طرابلس، كما كان يوسف باشا يأمل في استعادة المدينة، لكن الموقف ظل جامدا، وبعد نحو شهرين وقعت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية سلام مع يوسف باشا انسحبت بموجبها القوات الامريكية من درنة.
وعلى الرغم من النتائج المحدودة على الأرض، إلا أن هذا الحدث اعتبر نصرا رمزيا كبيرا لدى الأمريكيين، وجرى الاحتفاء به بشكل واسع في الذاكرة العسكرية للولايات المتحدة، احتفاء جعل من واقعة درنة جزءا لا يتجزأ من هوية مشاة البحرية، حيث ضمنت عبارة “إلى شواطئ طرابلس To the shores of Tripoli” في مطلع النشيد الرسمي للمارينز، الذي يعد أقدم نشيد عسكري في أمريكا، كما أصبح السيف الذي قدمه أحمد باشا القرمانلي للضابط أوبانون نموذجا للسيف الذي يرتديه ضباط المارينز في زيهم الرسمي حتى يومنا هذا، كدلالة على أن هذا الصراع فوق الأراضي الليبية كان حجر الزاوية في صياغة عقيدة القتال الأمريكية بعيدا عن حدودها، وهي عقيدة مازالت ترى في القوة العسكرية أداة مشروعة لفرض النفوذ خارج الحدود، مهما بعدت المسافات، ومهما كانت العواقب التي عادة ما تعاني منها شعوب تلك الدول.