بورصات الإمارات تنهار وجي بي مورغان يحول رهاناته إلى الرياض… ولكن ما علاقة ليبيا؟

تتراجع بورصتا دبي وأبوظبي للأسبوع الثاني على التوالي، وسط موجة تخارج واسعة لرؤوس الأموال الأجنبية لم تشهدها الإمارات منذ سنوات، فيما تحول ميناء جبل علي أكبر موانئ الشرق الأوسط وبوابة البضائع الآسيوية إلى ليبيا إلى ساحة تتصاعد فوقها أعمدة الدخان.

فبعد إعلان هيئة الأسواق المالية الإماراتية للمرة الأولى في تاريخ أسواق المال الخليجية خلال نزاع مسلح، تعليق التداول في بورصتي دبي وأبوظبي يومي الاثنين والثلاثاء الثاني والثالث من مارس الجاري، في قرار وصفته الهيئة بأنه جاء “حماية لمصالح المستثمرين وصونا لاستقرار السوق”، عادت البورصتان للعمل يوم الأربعاء 4 مارس بموجة بيع عارمة أدت إلى إغلاق مؤشر دبي المالي العام منخفضا 4.71% في أسوأ أداء له منذ مايو 2022، فيما سجل مؤشر أبوظبي تراجعا بلغ 1.9% بعد أن لامس في وقت مبكر من الجلسة حدود الـ 3%.

وقادت أسهم القطاعين المصرفي والعقاري موجة الهبوط، إذ كسرت أسهم إعمار وإمارات وبنك دبي الإسلامي والدار مستوى الخسارة اليومي الأقصى البالغ 5%، وهو الحد الذي سارعت هيئة سوق أبوظبي إلى تخفيضه مؤقتا من 15% إلى 5% كإجراء طارئ لإدارة حدة التقلبات.

ولم يتوقف النزيف عند ذلك، فبحلول جلسة اليوم الخميس 12 مارس، تراجع مؤشر أبوظبي العام إلى 9636 نقطة فاقدا 9.41% من قيمته خلال الشهر الماضي، فيما تشير تقديرات المحللين إلى أن مؤشر دبي المالي فقد نحو 17% من قيمته منذ إعادة فتح التداول في ست جلسات خاسرة متتالية.

وبناء على ذلك خفض “جي بي مورغان تشيس” وشركائه توقعاته تجاه أسهم دولة الإمارات العربية المتحدة ونقل تفضيله الإقليمي نحو المملكة العربية السعودية، وقال ديفيد أسيركوف، أحد الخبراء الاستراتيجيين في جي بي مورغان تشيس في مذكرة للمستثمرين يوم الاثنين الماضي: “لقد مر الآن أسبوع على الأزمة والضرر المادي لدولة الإمارات ضئيل، لكن المخاطر على المستثمرين تظل مرتفعة بما يكفي لجعلنا نخفض مؤشر MSCI UAE من زيادة الوزن إلى محايد ونزيل جميع الأسهم الإماراتية الثلاثة من قائمة أفضل 10 أسهم”.

تخارج رأس المال الأجنبي يعيد رسم المشهد المالي في الإمارات

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تصحيح تقني في أسواق مفرطة في التفاؤل، بل تترجم تحولا جوهريا في نظرة المستثمر الأجنبي إلى الإمارات كوجهة آمنة، حيث أشار محللو “سيتي قروب” في تصريحات لشبكة CNBC إلى أن “الأسهم المملوكة بشكل واسع من المساهمين الأجانب أو التي تبدو ثرية التقييم تواجه أكبر مخاطر الهبوط في المرحلة الراهنة”، محذرين من أن علاوة مخاطر الملكية ارتفعت بشكل حاد ما يعقد من عملية استقطاب رأس مال جديد.

وفي هذا السياق، كان هيثم عون، أستاذ مساعد في التمويل بالجامعة الأمريكية في دبي قد صرح عند إغلاق الأسواق منذ 10 أيام بأن: هذا المسار قد يضعف مكانة دبي بوصفها سوقا ماليا رئيسيا ويهز ثقة المستثمرين، مشيرا إلى مخاوف حقيقية من فرار رؤوس الأموال وتداعيات سلبية قد تمتد إلى سوق العقارات، وقد بدا ذلك جليا في تراجع مؤشر العقارات بنحو 20% خلال خمس جلسات فقط، لاغيا بذلك مكاسب عام كامل.

جبل علي شريان التجارة الليبية من آسيا تحت القصف!

على صعيد آخر يواجه ميناء جبل علي استهدافات متكررة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران آخرها استهداف سفينة الحاويات Source Blessing التابعة لشركة ” Hapag-Lloyd” الألمانية للشحن، التي تعرضت لضربة قرب ميناء جبل علي، مما أشعل حريقا على متنها دون تسجيل أي إصابات من أفراد الطاقم.

وبناء على التوترات في المنطقة، علّقت شركة MSC للشحن جميع حجوزاتها إلى الشرق الأوسط، وأوقفت MAERSK و Hapag-Lloyd عبورها في مضيق هرمز، فيما أمرت CMA CGM سفنها بالتوجه إلى موانئ آمنة.

وفي الوقت نفسه، سارع المكتتبون في تأمينات مخاطر الحرب إلى إلغاء وثائقهم أو إعادة تسعيرها، إذ توقع ماركوس بيكر، الرئيس العالمي لقسم الشحن البحري في شركة مارش أكبر وسيط تأمين في العالم، في تصريح لصحيفة الغارديان البريطانية مطلع الشهر بأن أسعار التأمين قد ترتفع بنسبة 50 إلى 100% أو أكثر، وأضافت شركات الشحن رسوم طوارئ وحرب تتراوح بين 2000 و4000 دولار لكل حاوية، فيما بات إعادة التوجيه عبر رأس الرجاء الصالح يضيف أسابيع وتكاليف إضافية على أوقات العبور.

الجدير بالذكر أن ميناء جبل علي تعرض لثلاث ضربات منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فيما تعاملت منظومات الدفاع الجوي وفقا لوزارة الدفاع الإماراتية، مع 268 صاروخا باليستيا، و15 صاروخا كروز، و1,514 طائرة مسيّرة، وأسفرت الهجمات عن 6 وفيات من جنسيات إماراتية وباكستانية ونيبالية وبنغلاديشية، و131 إصابة، بينما طالت الاستهدافات مطار دبي الدولي وميناء جبل علي وفندق في نخلة جميرا ومناطق في أبوظبي والشارقة ورأس الخيمة مسببا أضرارا مادية.

ليبيا: كيف تتضرر مما يحدث في الإمارات؟

ولا تبدو ليبيا في منأى عن هذه البيانات، بل إن بنية اقتصادها الاستيرادية تجعلها من أكثر الاقتصادات العربية هشاشة أمام تداعيات عدم استقرار المنطقة ككل والإمارات بالدرجة الأولى فوفق تقرير إدارة البحوث والإحصاء في مصرف ليبيا المركزي الصادر عن الفترة الممتدة من يناير إلى فبراير 2026، احتلت الإمارات المرتبة الثالثة في قائمة الدول المستفيدة من تحويلات القطاع الخاص الليبي بقيمة بلغت 53.7 مليون دولار خلال شهرين فقط، فيما يمثل ميناء جبل علي تحديدا المحطة الاستراتيجية التي تمر عبرها البضائع الآسيوية التي تتضمن أعلافا وغذاء وأدوية ومعدات ومواد بناء، قبل أن تصل إلى الموانئ الليبية.

وقد سبق أن علقت طيران الإمارات للشحن الجوي رحلاتها مؤقتا، كما أوقفت كبرى شركات الشحن البحري كما أسلفنا الذكر حجوزاتها من وإلى موانئ الخليج، في مشهد يهدد تدفق الواردات الليبية بشكل مباشر.

أما على صعيد تكاليف الشحن، فإن رسوم الطوارئ الإضافية ورفع أقساط التأمين يرتبان عبئا ماليا مباشرا على الشركات الليبية المستوردة، ينعكس حتما على أسعار السلع في السوق المحلية، حيث أن سلاسل الإمداد التي تعتمد على جبل علي محورا للترانزيت باتت تعاني من اضطراب حاد على خلفية إغلاق مضيق هرمز وما يحيط به من توترات أمنية غير مسبوقة.

ولكن رغم ذلك يحمل المشهد الاقتصادي في ليبيا وجهين متناقضين، فبينما يبدو ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات الـ 100 دولار مكسبا، يمثل على الجانب الآخر الارتفاع في فاتورة الاستيراد وأسواق الشحن المضطربة تحديا كبيرا، ويضاف إلى ذلك ما قد تتعرض له أي أصول ليبية حكومية أو خاصة مستثمرة في بورصتي دبي وأبوظبي من خسائر، في ظل هبوط تجاوز 17% في بورصة دبي خلال ستة أيام.

المصدر: وكالات

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة