بدأت التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بالانعكاس على الاقتصاد العالمي كـ”قطع الدومينو”، حيث أطلق تعطل مضيق هرمز والتوتر الأمني في منطقة الشرق الأوسط سلسلة من التفاعلات المترابطة التي بدأت تعيد صياغة المشهد المالي العالمي بداية من أسعار النفط والغاز إلى العملات والمعادن وأسواق البورصة والسلع بمختلف أنواعها.
يوم تاريخي لأسواق النفط
حيث شهدت أسعار النفط تقلبات يومية حادة بين الارتفاع والهبوط يوم الإثنين 03\مارس هي الأعنف منذ عام 1988، فسجلت قفزة في مستهل الأسواق إلى مستويات قياسية مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واستهداف منشآت نفطية في إيران والبحرين والسعودية وإعلان دولة الكويت حالة القوة القاهرة على صادراتها من الخام ودولة قطر على صادراتها من الغاز، إضافة إلى اضطرار العراق لخفض إنتاجها بنسبة 60%، والسعودية التي أعلنت خفضا لإنتاجها في حقلين نفطيين بسبب امتلاء خزاناتها نظرا لتعطل صادرات الخام.
وافتتحت عقود خام برنت الاجلة التداول عند مستوى 101.69 دولار للبرميل قبل أن تصعد لتلامس ذروة 119.46 دولارا، إلا أنها تراجعت إلى مستويات 99 – 100 دولارا للبرميل منتصف اليوم بعد إبداء وزراء مالية دول مجموعة السبع “G7” في اجتماع افتراضي مع وكالة الطاقة الدولية، استعدادها لاتخاذ “الإجراءات اللازمة” لدعم إمدادات الطاقة العالمية، ثم هوت الأسعار إلى ما دون الـ 90 دولار للبرميل في ختام تداولات الأسواق وسجلت عند الساعة 11:00م بتوقيت ليبيا 89.2 دولار للبرميل، بعد تصريحات أكد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحرب على إيران شبه مكتملة “ليس لديهم بحرية، ولا اتصالات، ولا سلاح جو” مؤكدا في تصريح لشبكة CBS الأمريكية أن الولايات المتحدة باتت متقدمة كثيرا عن الإطار الزمني الذي حدده سابقا.
ويرجع محللون القفزة الكبيرة في السعر من إغلاق الجمعة الذي سجل 92.69 دولارا للبرميل إلى السعر اليومي الأعلى( 119.46) دولار للبرميل إلى تهديدات إيران الصريحة باستهداف الملاحة عبر مضيق هرمز والمنشآت النفطية في المنطقة في حال استهدفت إسرائيل منشآتها النفطية، وهذا ما بدأ بالحدوث فعلا مما دفع المستثمرين نحو موجة شراء واسعة لتأمين الاحتياجات قبل حدوث نقص محتمل في الإمدادات العالمية من الخام.
كسر العلاقة العكسية بين النفط والدولار
ومن أسواق النفط إلى الدولار الأمريكي الذي يكسر العلاقة العكسية التقليدية بينه وبين أسعار الخام هذه الأيام، حيث تجبر التوترات الجيوسياسية الدول على تسييل أصولها لتعزيز مخزونها من النفط والغاز والسلع في ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بمجريات الأحداث السياسية، فنجد الدولار قطعة الدومينو الأولى التي تتأثر بارتفاع أسعار النفط وتحقق المكاسب بنسبة 4% في فترة وجيزة، حيث ارتفعت العملة الخضراء من مستويات 101.50 و 102.80 نقطة قبل موجة ارتفاع أسعار النفط إلى 106.50 نقطة اليوم الإثنين، نتيجة تزايد الطلب عليه لتغطية فواتير الطاقة العالمية المقومة بالدولار الأمريكي فضلا عن لجوء المستثمرين إليه كملاذ آمن، إلا أن قوة الدولار تضع ضغوطا هائلة على العملات الأخرى وتزيد من تكلفة الاستيراد عالميا.
الذهب ضحية غير متوقعة
الدومينو الثانية هي الذهب الذي تعودت الأسواق على ارتفاعه في أوقات التوتر الجيوسياسي، مدفوعة بموجات شراء كبيرة للملاذ الآمن في وسط عدم اليقين الاقتصادي، إلا أن ارتفاع الدولار هذه المرة قيد مستوياته وأدى إلى تراجعه إلى مستويات أقل مما كان عليه قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فرغم توقعات بنوك ضخمة مثل GP Morgan لوصول سعر الأونصة إلى مستويات 6,000 دولار أمريكي هذا العام، تتراوح أسعار الذهب حاليا ما بين 5,100 و 5,148 دولار للأونصة.
ووفقا لتقرير نشرته وكالة بلومبرغ واطلعت عليه قناة ليبيا الأحرار، فقد تعرضت أسعار الذهب لضغوط بيعية حادة أدت إلى هبوط المعدن الأصفر بنسبة وصلت إلى 2.5 بالمئة مقارنة بإغلاق الجمعة، ليتداول دون مستوى 5,050 دولارا للأونصة في التعاملات المبكرة، مسجلا بذلك أول انخفاض أسبوعي له منذ أكثر من شهر.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط الخام إلى ما فوق الـ 100 دولار للبرميل عزز مخاوف التضخم في الولايات المتحدة، ورفع احتمالية إبقاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة عند مستوياتها المرتفعة لفترة أطول، أو حتى الاتجاه لرفعها من جديد، مضيفا أن الارتفاع المستمر في تكاليف الاقتراض، تزامنا مع قفزة مؤشر الدولار خلق بيئة سلبية للمعادن النفيسة التي لا تدر عائدا، وهو ما حول الذهب إلى مصدر للسيولة وسط موجة تراجع حادة في أسواق الأسهم العالمية.
وول ستريت تنزف!!
وشهدت أسواق البورصة الأمريكية في بداية تداولات الأسبوع، خسائر طفيفة بعد أكبر خسارة أسبوعية لأكبر مؤشراتها الأسبوع الماضي، مما أثار مخاوف بشأن بيئة ركود تضخمي للاقتصاد الأميركي، إلا أنها تنفست الصعداء مباشرة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي حول قرب انتهاء الحرب.
وكان قد بلغ مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو Cboe Volatility الإثنين، الذي يعتبر مقياسا للخوف في وول ستريت ويتم من خلاله قياس مدى لجوء المستثمرين إلى التحوط وعدم المخاطرة، أكثر من 30 نقطة لأول مرة منذ موجة البيع التي أعقبت فرض الرسوم الجمركية في أبريل 2025.
هذا ويرى كثيرون في وول ستريت وفقا لتقارير متطابقة أن وصول سعر النفط إلى مستوى 100 دولار يمثل نقطة تحول حاسمة للاقتصاد في حال استمرت الحرب طويلا ولم تتراجع الأسعار، رغم أن ترامب كان قد صرح مساء الأحد: إن ارتفاع أسعار النفط على المدى القصير يعد ثمنا زهيدا جدا مقابل القضاء على التهديد النووي الإيراني وفق قوله.
وفي حين لم تظهر الحرب على إيران أي مؤشرات واضحة على انحسارها، رفع الخبير الاستراتيجي إد يارديني في شركة يارديني للأبحاث، احتمال حدوث انهيار في السوق إلى 35% خلال الفترة المتبقية من العام، مقارنة مع 20% سابقا، مستندا على توقعات تزايد مخاطر حدوث موجة بيع حادة في الأسهم الأميركية هذا العام.
أسعار السلع في مهب الريح
ويمتد تأثير الدومينو ليصل إلى كافة السلع، ويهدد توازن سوق الغذاء العالمي نظرا لارتفاع تكلفة النقل البحري التي تتأثر بأسعار الوقود والمخاطر الملاحية، فترفع أسعار المواد الغذائية والمعادن الصناعية والأسمدة الزراعية مما يهدد بدخول الاقتصاد العالمي في حالة “ركود تضخمي” إذا ما استقر النفط فوق حاجز الـ 120 دولارا.
وفي هذا السياق حذر برنامج الأغذية العالمي الاثنين من أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود قد يدفع الجوع العالمي إلى مستويات أعلى مع تزايد الاحتياجات الإنسانية، موضحا في بيان له أن تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية للأسر، سيدفع الأشخاص الذين كانوا أصلا على حافة الجوع نحو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي.
وهنا تنتهي سلسلة التأثير من رقم على شاشات التداول تتابعه كبرى الشركات وكبار المستثمرين إلى عجز لدى الطبقات الهشة على تلبية احتياجاتها البسيطة في مختلف الدول الواقعة ضمن دائرة الضرر الناتج عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.
المصدر: وكالات