رغم المسافة الشاسعة التي تفصل ليبيا عن إيران، فإن بعض أبرز الآثار الإيرانية ما زالت تحتفظ حتى اليوم بصور الليبيين ونقوش تخلد ذكرهم، في شهادة لافتة على اتساع العالم القديم وتشابك فضاءاته الحضارية والثقافية، وتزخر إيران بإرث أثري بالغ الثراء، يمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الإمبراطوريات الفارسية القديمة ثم العصور الإسلامية، غير أن آثار العهد الأخميني تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تعكس صورة إمبراطورية مترامية الأطراف بلغ اتساعها حتى شمال أفريقيا.
وليس غريبا أن تكون ليبيا حاضرة في سجلات الحضارات الكلاسيكية القديمة، إذ احتلت ليبيا مكانة لافتة في تلك العصور، بوصفها جزءا من شبكة واسعة من العلاقات التجارية والثقافية السياسية التي ربطت بين أقاليم جغرافية مترامية، بدءا من ضفتي المتوسط، وحضورها البارز في العالم الإغريقي، وتشابكات ليبيا مع مصر الفرعونية، ودخولها في المجال الروماني لتلعب دورا مهما في الفضاء الإمبراطوري المتوسطي، ولم يقتصر حضورها على هذا الامتداد الغربي، بل ظهر اسم الليبيين أيضا في سياقات شرقية أوسع، من بينها الذاكرة الأخمينية التي عكست اتساع العالم القديم وتشابك أطرافه.

وتضم إيران 29 موقعا مسجلا على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، من أبرزها مدينة برسبوليس، أو “تخت جمشيد”، وهي واحدة من أهم الشواهد الباقية على الإمبراطورية الأخمينية. وقد أسس داريوس الأول المدينة عام 518 قبل الميلاد لتكون عاصمة للإمبراطورية، وشيدت فوق مصطبة هائلة نصفها طبيعي ونصفها اصطناعي، احتضنت مجمعا قصريا مهيبا جعل من الموقع واحدا من أبرز المعالم الأثرية في العالم الفارسي القديم. ولا تعكس أطلال برسبوليس عظمة معمارية فحسب، بل تكشف أيضا عن صورة الإمبراطورية وهيبتها واتساع فضائها السياسي والثقافي.
والأخمينيون هم السلالة الفارسية التي حكمت ما يعرف بالإمبراطورية الأخمينية، وهي واحدة من أكبر إمبراطوريات العالم القديم. وقد انطلقت من قلب إيران وامتدت على رقعة مترامية من العالم القديم، من أطراف الهند شرقا حتى ليبيا غربا، حيث ضمت إقليم قورينائية، ما يعكس سعة نفوذها واتساع مجالها الإمبراطوري.
وتضم برسبوليس مبنى الأبادانا، وهو أحد أبرز الصروح المعمارية في الموقع، وقد بدأ تشييده نحو عام 518 قبل الميلاد في عهد داريوس الأول، قبل أن يستكمل لاحقا في عهد ابنه، ليكون قاعة كبرى للاستقبالات الرسمية واستقبال الوفود القادمة من أقاليم الإمبراطورية الأخمينية، ويرتفع المبنى فوق مصطبة حجرية واسعة، وكانت تزينه صفوف من الأعمدة الشاهقة التي منحت المكان هيبة استثنائية، فيما تقود إليه سلالم مزخرفة بنقوش بارزة تعد من أشهر ما خلفه الفن الأخميني، وتظهر هذه النقوش مواكب ممثلي الأمم المختلفة وهم يحملون الهدايا إلى الملك، من بينها الوفد الليبي.

وقد جرى تجسيد الليبيين على القسم الجنوبي من السلالم الشرقية لقاعة الأبادانا، مصطحبين معهم العربات التي تجرها أربعة خيول، والتي اشتهر بها الليبيون في العالم القديم، إضافة إلى الكباش والبقر الوحشي ذي القرون الطويلة.
وتكتسب هذه النقوش أهمية خاصة في قراءة تاريخ ليبيا القديم، وقد اهتم عدد من المؤرخين بهذه المشاهد بوصفها سجلا بصريا نادرا يضيء جوانب من صورة الليبيين في العالم القديم، بما في ذلك اللباس والأدوات والأسلحة التي تجسدت في رماح طويلة، ويمنح حضورهم في قلب الفن الأخميني بعدا يتجاوز الزخرفة، ليصل إلى تمثيل المكانة السياسية والجغرافية والاقتصادية لليبيا ضمن تخوم الإمبراطورية في أوج اتساعها.
ومن بين المواقع المرتبطة بليبيا في الذاكرة الأخمينية يبرز نقش رستم، الواقع غير بعيد عن برسبوليس في محافظة فارس، وهو مجمع صخري يضم المقابر الملكية المنحوتة والنقوش البارزة من العهدين الأخميني والساساني، وتكتسب نقوشه أهمية إضافية لأنها لا تكتفي بتجسيد رمزية السلطة الإمبراطورية، بل تتضمن أيضا سجلا لأسماء الشعوب الداخلة في نطاقها، ومن بينها الليبيون الذين يرد ذكرهم في نقش ضريح داريوس الأول، في دلالة أخرى على الحضور الليبي خارج المجال الجغرافي لليبيا في عدد من نقوش العصور القديمة.

وفي ظل التطورات الأخيرة في المنطقة، دعت منظمة اليونسكو في بيان لها إلى حماية المواقع الثقافية في إيران والشرق الأوسط، مؤكدة أنها زودت الأطراف المعنية بالإحداثيات الجغرافية لمواقع التراث العالمي والمواقع ذات الأهمية الوطنية حاثة على تجنيبها أي أضرار محتملة، وفي الأثناء أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية اتخاذ إجراءات لحماية المواقع التاريخية في ظل الهجمات، شملت إغلاق المتاحف والمباني التاريخية والمواقع التراثية، إلى جانب نقل القطع الأثرية الحساسة إلى مخازن آمنة.