مسارات شحن البضائع إلى ليبيا تُنبئ بانفجار في أسعار السلع

وسّع استهداف ناقلة غاز طبيعي مسال روسية قبالة السواحل الليبية الأربعاء دائرة المخاطر التي تواجهها الناقلات وسفن الشحن في المنطقة بعد اشتعال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث رجحت مصادر لوكالة رويترز تعرض الناقلة لهجوم بواسطة طائرة مسيّرة بحرية، مشتبهة في أن أوكرانيا تقف وراء العملية.
وبينما تشهد المنطقة ككل حالة توتر أمني عالية ترتب عنها منذ اندلاع الحرب في إيران تعطل مسارات الشحن للنفط والسلع بأنواعها عبر مضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر، وارتفاع نسبة علاوة المخاطر التي تفرضها شركات الشحن، تواجه ليبيا التي تعاني من “درجة انكشاف خارجي” عالية بلغت 67.5% في عام 2024، انعكاسات مباشرة على أسواقها لأي اضطراب في مسارات التجارة العالمية، خاصة فيما يتعلق بتوريداتها من قارة آسيا التي يعتمد وصولها إلى ليبيا على مسارات تمر بالمحيط الهندي، بحر العرب، مضيق باب المندب وقناة السويس التي تصنف حاليا مناطق عالية المخاطر.

حجم ومكانة الواردات الآسيوية في الاقتصاد الليبي

تعد الصين الشريك التجاري الأول لليبيا من حيث الواردات، حيث بلغت قيمة ما استوردته ليبيا منها عام 2024 نحو 3.6 مليار دولار وفقا لإحصاءات التجارة الخارجية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، ما يمثل 18.2% من إجمالي الواردات، فيما تشكل الدول الآسيوية نحو 35% من الأهمية النسبية لتوزيع مجموعات البلدان التي تستورد منها ليبيا خلال الفترة من 2021 إلى 2024.
وتتضمن التركيبة السلعية المستوردة من الصين ودول آسيا الإلكترونيات والمعدات الكهربائية والصناعية والسيارات والملابس، مما ينبئ بقفزة سعرية فيها حتى رغم سماح إيران بمرور السفن الصينية عبر مضيق “هرمز”، حيث أن التهديد الحقيقي لواردات ليبيا يكمن في باب المندب جنوب البحر الأحمر، الذي تنشط فيه هجمات مرتبطة بالتوتر الإقليمي، إلا إذا كانت البضائع مشحونة بنظام “الترانزيت” عبر موانئ مثل “جبل علي” في الإمارات أو “صحار” في عمان.
 
المخاطر الجيوسياسية ومسارات الإمداد

تمر السفن القادمة من الصين إلى ليبيا من مضيق ملقا، ثم المحيط الهندي ثم إما مضيق باب المندب، وصولا إلى قناة السويس المصرية ومنها إلى الموانئ الليبية، أو عبر ميناء جبل علي قبل أن تنطلق باتجاه ليبيا من خلال مضيق “هرمز” بناءً على أن جل واردات ليبيا من الصين تتم عبر SWIFT دبي، وفقا لمصدر مطلع على منظومة بيانات مركز التجارة العالمية.
وفي الحالتين فإن المسارين يواجهان مخاطر عالية منذ اندلاع الحرب في المنطقة، ففيما تعرض ميناء جبل علي للاستهداف المباشر بصواريخ إيرانية مطلع الأسبوع، يشهد مسار باب المندب – قناة السويس توترا متصاعدا منذ 2024 بدأ باستهداف بعض السفن من قبل قوات الحوثيين في اليمن قبل حرب إيران، ويتأثر الآن بشكل مباشر باندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتكدس السفن قرب مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار شحن الحاويات من آسيا إلى المتوسط بأكثر من 150% وفقا لتقارير دولية.
وتعتبر هذه الزيادة مدفوعة بزيادة أسعار الوقود، وفرض شركات التأمين البحري مبالغ إضافية باهظة على السفن التي تعبر مناطق النزاع، إضافة إلى مرور السفن بمناطق تتعرض إلى تشويش إلكتروني أو ما يعرف بـ GPS Jamming، ما يعرض جميع السفن بما فيها الصينية لمخاطر الاصطدام أو الانحراف عن المسار مما يرفع تكلفة التشغيل، وهي تكاليف ستحمل مباشرة على سعر السلع النهائي في السوق الليبية.
ووفقا لمصادر متطابقة في شركات شحن ليبية تعمل على خط الصين البحري، فإن أسعار شحن الحاويات من الصين إلى ليبيا سجلت زيادة كبيرة مطلع مارس الجاري، حيث يتراوح سعر الحاوية 40 قدما حاليا بين 7,800 و 8,300 دولار، مقارنة بـ 5,050 دولارا أمريكيا في أواخر العام الماضي.
 
مسارات الإمداد البديلة والتكاليف الإضافية

ستضطر السفن القادمة من آسيا والخليج إلى ليبيا في حال توسع رقعة الحرب، إلى تبديل مسار باب المندب وقناة السويس بمسار آخر غير مختصر، ألا وهو الالتفاف حول قارة أفريقيا بالكامل من خلال رأس الرجاء الصالح، مما سيزيد مدة الرحلة وفقا لمصادر مطلعة بنحو 10 إلى 15 يوما إضافية، أي أن البضائع التي كانت تستغرق من 25 إلى 30 يوما في البحر ستستغرق 45 يوما حتى تصل إلى الموانئ الليبية، وهذا سيزيد في استهلاك الوقود وتكلفة التشغيل بنسبة تقارب 30% وفقا لما تحصلت عليه ليبيا الأحرار من معلومات مؤكدة من مصادر متطابقة.
هذا ومن المتوقع أن يؤثر اتخاذ أعداد من الناقلات والسفن لمسار رأس الرجاء الصالح كبديل على عدد السفن المتاحة عالميا، ما يخضعها إلى قاعدة العرض والطلب ويزيد من أسعارها كذلك، أما في حال تفريغ السلع في موانئ مثل “طنجة” بالمغرب، ثم نقلها عبر سفن أصغر إلى ليبيا، فسيضيف ذلك بدوره تكاليف تفريغ وشحن إضافية على البضائع.
 
صدمة سعرية وفرص تلوح في الأفق

وفي وقت يشهد فيه الدينار الليبي هبوطا لأدنى مستوياته منذ ثماني سنوات من المتوقع أن تشهد السلع الصينية والتايلاندية وتلك القادمة من دول الخليج سواء مباشرة أو عبر “الترانزيت” في موانئها زيادة سعرية في ليبيا بنسبة لا تقل عن 20 % نتيجة تكاليف اللوجستيات من علاوات الخطر وأسعار الوقود وارتفاع أسعار التشغيل وزيادة مدة الشحن، خاصة وأن جل ما يورد من خلال السوق الموازية مسعر بناء على سعر الصك، أي بأكثر من 11.25 دينارا مقابل الدولار وفقا لمصدر خاص بسوق المشير في طرابلس.
كما أن الارتفاع في تكلفة الواردات سيؤدي إلى زيادة الطلب على العملة الصعبة، مما يضغط على احتياطيات مصرف ليبيا المركزي ويعقد مهمة تغطية الطلب المتزايد على الدولار، في حين قد يواجه المخزون السلعي بالسوق المحلية فجوات على خلفية إطالة أمد الرحلات البحرية أو عزوف بعض الخطوط الملاحية عن دخول منطقة شرق المتوسط، وهو ما بدأت دول أخرى في تجنبه من خلال تغطية أي فجوة متوقعة في مخزونها من خلال إنتاجها المحلي وتنويع مصادر الاستيراد من دول بعيدة عن الصراع.
وفي هذا السياق يقول المدير التنفيذي لاتحاد الصناعة الليبية علي نصير إن أزمة الشحن المترتبة عن الحرب الأمريكية الإيرانية تعد فرصة من الجانب الآخر لدعم الصناعة الليبية وتخفيض نسبة انكشاف الاقتصاد الليبي على الخارج.
ويضيف في تصريح خاص لليبيا الأحرار أن الاتحاد مستعد لزيادة التعاون مع مصرف ليبيا المركزي والجهات المعنية للعب دور إيجابي في سبيل توفير احتياجات السوق من السلع الاستهلاكية التي قد تشهد ارتفاعا في أسعارها على المدى القصير والمتوسط جراء حالة التوتر الجيوسياسي في المنطقة.
وفيما تعد الحرب على إيران تهديدا يؤثر على المنطقة ككل إلا أنها تحمل في ثناياها فرصا لدول بعيدة نسبيا عن دائرة الصراع مثل ليبيا، إذا ما تم رصد البيانات بدقة واتخاذ القرارات بناء على تحليلات واقعية قد تخدم الاقتصاد الليبي عوضا عن الاصطدام به، فإذا ما عدنا إلى السياق التاريخي سنجد دولا حققت الاستفادة من حروب جيرانها في أوقات غاية في الحساسية، كما فعلت تركيا  خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 وسويسرا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية والصين خلال حروب الولايات المتحدة المختلفة في الشرق الأوسط.

 
 

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة