كيف يستفيد الاقتصاد الليبي من ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا؟

تشهد أسواق الطاقة العالمية قفزة سعرية هي الأعلى منذ أكثر من عام على خلفية الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على إيران، التي أسفرت عن تعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الذي يمثل قناة لنقل أكثر من 20% من النفط العالمي، وما عزز موجة صعود أسعار النفط والغاز تعرض أكبر مصفاة مملوكة لشركة أرامكو السعودية للاستهداف بصواريخ غير معلومة المصدر، إلى جانب إعلان دولة قطر إيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد تعرض منشآت غاز حيوية لأضرار لم تكشف عن تفاصيلها بعد.

هذه الأحداث جميعها تسببت في ارتفاع علاوات المخاطر الجيوسياسية على الناقلات في المنطقة إلى جانب اعتذار شركات شحن كبرى عن تغطيتها.

وسجل سعر خام برنت في اليوم الأول من التداول هذا الأسبوع زيادة اقتربت من 7% حيث لامس سعر 82 دولارا للبرميل ثم عاد ليتداول عند مستوى 77 دولارا للبرميل، بينما حقق الغاز الطبيعي المسال مكاسب يومية بلغت 3.15% مسجلا قرابة 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما ارتفعت أسعاره في أوروبا بنسبة 50% حيث ارتفع عقد (تي تي إف) الآجل الذي يمثل المرجع الأوروبي، ليصل إلى 47.32 يورو للميغاوات/ساعة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لأي دولة نفطية بعيدة عن دائرة الصراع؟

تمثل زيادة الأسعار العالمية وتعطل الإمدادات عبر مسار مضيق هرمز فرصة سانحة لدول نفطية مكشوفة على مسارات إمداد أخرى مثل السعودية وعمان وليبيا والجزائر وروسيا وكازاخستان والنرويج، وخاصة تلك التي تمد دول أوروبية بالطاقة مثل ليبيا، حيث يمكنها الاستفادة من ارتفاع إيراداتها على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة بينما تمتلك فرصة استمرار التصدير بمخاطر أقل عبر البحر الأبيض المتوسط المستقر أمنيا مقارنة بالمخاطر المحيطة بالبحر الأحمر وبحر العرب.

ومن هذا المنطلق اتفقت الأحد 8 دول في تحالف أوبك بلس على زيادة إنتاجها من النفط بمقدار 206 آلاف برميل يوميا، تأكيدا على استقرار السوق، وهي السعودية، وروسيا، والإمارات، وكازاخستان، والكويت، والعراق، والجزائر، وسلطنة عمان، ولكن ماذا عن ليبيا؟

فرص متاحة تقابلها تحديات كبيرة

وفقا لبيانات المؤسسة الوطنية للنفط فإن إنتاج النفط الخام في يناير بلغ 42 مليونا و709 آلاف و 334 برميلا في يناير الماضي، حصة الشريك الأجنبي فيها تمثل حوالي 18% أي قرابة 7 ملايين و 618 ألفا و200 برميل، فيما أعلنت المؤسسة منذ أسبوع زيادة الإنتاج الإجمالي للنفط بعد استئناف إنتاج حقل المبروك بـ 25,000 برميل يوميا، أي أن إيرادات النفط الخام الليبي قد تقفز من قرابة مليارين ومائة مليون دولار شهريا إلى أكثر من 3 مليارات و150 ألف دولار، في ظل توقعات وصول أسعار النفط إلى حاجز الـ100$ على خلفية الحرب على إيران والتوتر الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.

مقابل ذلك هناك مجموعة تحديات ستحدد مدى استفادة الاقتصاد الليبي من هذه الزيادة في الإيرادات السيادية، أولها هو اعتماد ليبيا على الخارج في سد حاجتها من الوقود والغاز المسال، حيث أن فاتورة شراء المحروقات ستقفز بدورها مدفوعة بزيادة أسعار النفط والغاز من 676 مليونا و 537 ألفا و595 دولارا إلى مستويات أعلى وفقا لتوقعات زيادة أسعار الوقود عالميا.

أما التحدي الثاني فهو عدم قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على زيادة الإنتاج وزيادة القدرة الاستيعابية في الحقول في ظل قلة الموارد المالية التي أعلن عنها رئيس المؤسسة مسعود سليمان في بيان رسمي منذ أسبوع، أصدر فيه تعليمات عاجلة تقضي باتخاذ حزمة من الإجراءات التنظيمية والمالية الرامية إلى ترشيد الإنفاق في ظل عدم اعتماد ميزانية عام 2025 حتى تاريخه، إلى جانب محدودية المخصصات المتاحة من ميزانية 2024 التي لم تتجاوز 25%.

وتضمنت التعليمات في البيان إيقاف جميع إجراءات الشراء والتوريد وتعليق كافة صور وأشكال التعاقد إلى حين اعتماد الميزانية، مع استثناء الحالات العاجلة المرتبطة باستمرارية الإنتاج ومتطلبات السلامة والاشتراطات البيئية.

وفيما يتعلق بالتحدي الثالث فهو الإدارة المالية الحكيمة للإيرادات الإضافية في واقع الإنفاق المتوسع الذي تشهده البلاد، وانهيار الدينار الليبي إلى مستويات قياسية في السوق الموازية لامست 11 دينارا نقدا مقابل الدولار الأمريكي خلال الأسبوع الماضي وسط تأخر تنفيذ ضخ العملة الأجنبية عبر مخصصات الأفراد ومنحة الـ 400 دولار بسعر الصرف الرسمي، إضافة إلى محاولات “غامضة” لفرض ضرائب على السلع المستوردة من الخارج لسد عجز الإنفاق الحكومي والدين العام المتضخم.

” سيعتبر ضخ هذه الإيرادات في اتجاه استهلاكي بمثابة إضاعة للفرصة السانحة في قطاع النفط ” وفقا للخبير المالي محمد الصافي، الذي يرى أن ضخ هذه الأموال لزيادة الإنتاج خاصة وأن الشركاء الأجانب الجدد الذين فازوا بعطاءات قطع استكشافية في ليبيا مؤخرا بحاجة لرأس مال من الشريك الليبي المتمثل في المؤسسة، إلا أنه يضيف في تصريح خاص لليبيا الأحرار أن تجربة المؤسسة في إدارة الأموال عامي 2021 و 2022 رتبت انعداما في الثقة بعد إضاعة مخصصات كانت من المفترض أن تستثمر لرفع إنتاج النفط الليبي إلى مليوني برميل يوميا.

ويضيف أنه من أهم مبادئ المالية العامة في الدول أحادية الدخل، أن لا تستخدم الأموال في فترات الفرص المالية كهذه في زيادة مرتبات أو مشاريع تنموية لن تتمكن الدولة من الاستمرار فيها على المدى الطويل أو في حال انتهاء هذه الفرصة المالية المترتبة عن الحرب حاليا، هذا ويوضح الصافي أنه من المهم في هذه الحالات استخدام الموارد الإضافية لهدف محدد، إما لزيادة إنتاج النفط والغاز أو زيادة مخصصات الأسر والأغراض الشخصية من الدولار وتقليص الكتلة النقدية تدريجيا لغرض “إعدام النقود” التي خلقت الدين العام.

الميزانية الموحدة أولاً

في المقابل يرى الخبير الاستثماري “منذر الشحومي” أن الحل الأمثل هو عدم الصرف إلى حين الاتفاق على ميزانية موحدة، ويشير في تصريح خاص لليبيا الأحرار إلى أن التقديرات ترجّح وصول سعر برميل النفط لشهر مارس إلى حدود 85 دولار، أي بزيادة تقارب 15% من متوسط أسعار شهر فبراير، وأكثر من 20% من السعر المتوقع بداية العام.

ويوضح الشحومي أن هذا يعني أن دخل ليبيا في شهر مارس سيتعدى 2.6 مليار دولار ولكن إذا ما تم ترك مسألة الصرف إلى المصرف المركزي أو السلطة التنفيذية بذات طريقة الصرف السابقة فستكون النتيجة “صرف بلا أي نتائج على الأرض” على حد تعبيره، سواء من ناحية التنمية، أو الخدمات أو سعر الصرف.

وقف الإنفاق ضرورة

من جهته يرى الخبير الاقتصادي “البوديري شريحة” أن عدم إنفاق القيمة الإضافية من إيرادات النفط والغاز الناتجة عن ارتفاع الأسعار هو الوسيلة الأمثل للمحافظة عليها والاستفادة منها لاحقا.

واقترح “شريحة” -في تصريح خاص للأحرار- التحفظ على الأموال في حساب فرعي مجنب في مصرف ليبيا المركزي على المدى القصير أو إنشاء صندوق ائتماني بالأموال في مصرف حسن السمعة يمكن أن يستخدم لتقديم ضمانات ائتمانية للراغبين بالاستثمار في ليبيا من الشركات صاحبة المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تضيف نشاطا وتنوعا في الأسواق الليبية.

وبينما تكثر الآراء يظل الفيصل هو الرغبة الحقيقية لدى صناع القرار في إدارة هذه الأموال بما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني وقيمة الدينار الليبي عوضا عن إدخالها في دائرة الإنفاق الحكومي المتضخم.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة