في أواخر الألفينات، قامت مؤسسة أركيوتيما “Archeotema” الإيطالية بناء على تعاقد مع ليبيا، بدراسة مخطط يهدف إلى تحويل الآثار الغارقة لمدينة أبولونيا الأثرية والمعروفة اليوم باسم سوسة، إلى منتزه سياحي تحت الماء، حيث حدد خبراء المنظمة 29 نقطة اهتمام تحت مياهها، لوضع مخطط إنشاء مسارات مخصصة للغواصين وأخرى للقوارب ذات القاع الزجاجي، مما يسمح للزوار بمشاهدة بقايا الميناء والسفن الإغريقية ومختلف الآثار واللقى التي ما تزال غارقة في قاع البحر.
كانت تلك المبادرة محاولة لاستثمار اكتشافات البعثات الأثرية في المنطقة، لكن الدراسة التي أعدها فريق المؤسسة الإيطالية التي يقع مقرها في فينيسيا، اصطدمت بتحديات طبيعية وبيئية ولوجستية، أبرزها تآكل الساحل وانهيار الصخور الحامية للميناء مما جعل الأمواج تضرب الأبنية الأثرية مباشرة. كما شكل التلوث الناتج عن مياه الصرف الصحي وضغط التوسع العمراني خطرا على سلامة الموقع، حيث قدّم الفريق توصيات بضرورة بناء كاسرات أمواج جديدة وتدريب كوادر متخصصة وحماية المنطقة من التلوث، ويبدو أن المشروع لم يذهب إلى أبعد من الدراسة.
تقدّم مدينة سوسة الأثرية، النموذج الأكثر اكتمالا ودلالة على أن سحر الآثار الليبية ليس حكرا على أعمدة لبدة أو معابد شحات ومسارح صبراتة، بل إن الاكتشافات في أعماق البحر المتوسط، حيث يقبع عالم مواز غمرته المياه منذ قرون، تؤكد على غنى من نوع آخر، وهو الآثار الغارقة، حيث تشهد الآونة الأخيرة ازديادا في الاهتمام المحلي والدولي بهذا التراث.
صادقت ليبيا على اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه في 2005، ويعتقد كل من أحمد مراجع وجوليا نيكولاس، وهما متخصصان في هذا المجال، أنه على الرغم من الارتباط الطويل الأمد والوثيق لليبيا بالبحر، فإن علم الآثار البحرية لا يزال فرعا هامشيا لعلم الآثار في ليبيا، ولم ينشأ قسم متخصص لعلم الآثار البحرية إلا في عام 2012، وما تزال القدرات المحلية منخفضة، إذ أجريت معظم أعمال البحث والتوثيق تحت الماء من قبل بعثات أجنبية.
أحد أهم تلك البعثات، هي البعثة الأثرية الفرنسية (MAFL) وتعد من أبرز المهام العلمية التي وثقت تاريخ سوسة، حيث بدأت أعمالها المكثفة في أبولونيا عام 1986 بقيادة عالم الآثار الراحل أندريه لاروند، أستاذ جامعة السوربون، استمرت البعثة في أبحاثها الميدانية لأكثر من عقدين من الزمن، مستعينة بتقنيات غوص متقدمة وفريق بحثي مشترك ضم خبراء من مصلحة الآثار الليبية.

وقد صدر حديثًا عن دار النشر الفرنسية Riveneuve كتاب بعنوان “أبولونيا، ميناء قورينا”، وهو عمل علمي يوثق نتائج الحفريات الأثرية تحت الماء في ميناء مدينة أبولّونيا “سوسة”، ويتناول الكتاب حصيلة أكثر من عشرين عاما من أعمال البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا، مسلطا الضوء على البنية المعمارية للميناء الغارق، والمنشآت البحرية، واللقى الأثرية، والشواهد التي تعكس الدور البحري والتجاري للمدينة عبر العصور اليونانية والرومانية.
وقد أسفرت أعمال البعثة التي قادها لاروند عن نتائج علمية واكتشافات عدة، من أبرزها الكشف الأثري الهام عن حطام سفينة تجارية غرقت في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، ويقدر طولها الأصلي بنحو 15 إلى 20 متراً. وقد لفتت هذه السفينة الأنظار بكونها في حالة حفظ جيدة نسبياً وقت التنقيب، مما قدم بيانات قيمة حول تقنيات السفن والملاحة والتجارة البحرية في ذلك العصر.

وأشرف على تحرير العمل الباحث الفرنسي كلود سانتيس بمشاركة عدد من أعضاء البعثة والمختصين في الآثار البحرية، إلى جانب حضور ليبي فاعل في هذا المشروع العلمي. فقد تولّى الدكتور محمد فكرون من مصلحة الآثار الليبية الترجمة إلى العربية، كما شمل الكتاب مقدمة بقلم رئيس مصلحة الآثار الليبية محمد الفلوس، ويعد الكتاب مرجعا مهما لفهم تاريخ الموانئ القديمة في ليبيا عامة وأبولّونيا على وجه الخصوص، ويشكل إضافة نوعية للمكتبة الأثرية الليبية.
ولم تكن البعثة الفرنسية أول من استهوته فكرة اكتشاف ما غمرته المياه على شواطئ أبولونيا، ولا كان إصدارها هو الأول الذي يتناول المدينة، ففي سنة 1958م ، قامت بعثة من جامعة كامبريدج، تضم غواصين وأثريين بقيادة نيكولاس فليمنج، بتوثيق ودراسة العديد من المعالم الأثرية المغمورة للميناء القديم في أبولونيا، وقد كان هذا العمل حاسما ورائدا حيث قدّم مخططا دقيقا لهذه المعالم، وحدد موقع الميناء وامتداده وعناصره المعمارية المختلفة.
يقول نيكولاس فليمينغ، وهو حاليا عالم آثار بحرية في المركز الوطني لعلوم المحيطات – ساوثهامبتون:
“لقد رأيت مئات الموانئ الأثرية الأخرى في العالم، لكن ميناء أبولونيا فريد من نوعه، ومن أهم ما يميزه تاريخه المبكر، حوالي القرن السادس أو السابع قبل الميلاد، لا يوجد ميناء متكامل آخر لمثل هذا التاريخ على الإطلاق، وإضافة إلى أن أجزاءه متكاملة تقريبا فإن مجموعة من الهياكل والأجزاء لا يزال يصعب تفسيرها، وقد اكتشفت كمية كبيرة من الفخاريات والأدوات مازالت مطمورة تحت الرمال في القاع “

ظل إعجاب نيكولاس فليمنج بتجربته في استكشاف الآثار الليبية الغارقة ملازما له طوال مسيرته الحافلة، فرغم غزارة إنتاجه العلمي وأبحاثه التي شملت مناطق عدة حول العالم، إلا أن أبولونيا احتلت مكانة استثنائية في وجدانه، ويتجلى هذا الارتباط العميق في مذكراته وكتابه الذي يروي فيه خلاصة تجاربه العلمية والعملية، حيث اختار له عنوانا لافتا وهو “أبولونيا في خاطري” (Apollonia on My Mind)، ليكون شاهدا على أن تجربته الأولى في سواحل ليبيا ظلت التجربة الأكثر تأثيرا في حياته، مثل كثيرين ممن عملوا في المجال الأثري على الأرض الليبية أو في أعماق بحارها.