جريمة مقتل خنساء المجاهد.. أحجية العدالة المفقودة والانتهاكات ضد المرأة في ليبيا

مضي أكثر من شهرين على حادثة مقتل صانعة المحتوى الليبية خنساء المجاهد في العاصمة طرابلس، وعدم نشر أي نتائج للتحقيقات حتى الآن رغم الوعود الحكومية، أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول واقع العدالة والأمن في ليبيا، غير أن الحادث أيضا نموذج يفلت إلى أهمية قياس الوعي المجتمعي ونوعية الخطاب تجاه المرأة بوصفها ضحية صريحة بهذه الواقعة، وسنأتي له في سياق المادة خاصة في ظل استمرار الجرائم المجهولة واتساع فجوة الثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة. الجريمة التي وقعت في منطقة السراج غرب العاصمة لم تُقرأ على نطاق واسع كحادثة جنائية عابرة، بل كحلقة جديدة في سلسلة من الوقائع التي تعكس هشاشة الوضع الأمني وضعف القدرة على إنفاذ القانون.

وقعت الجريمة عندما تعرّضت خنساء لإطلاق نار من قبل مسلحين مجهولين أثناء وجودها داخل سيارتها. وأظهرت مقاطع مصورة جرى تداولها لاحقًا على وسائل التواصل الاجتماعي الضحية ملقاة على الأرض بعد محاولتها الفرار من السيارة لحظة بدء إطلاق النار، في حين لم تُعرف حتى الآن دوافع الجريمة أو الجهة المسؤولة عنها بشكل رسمي.

وتُعرف خنساء المجاهد على منصات التواصل الاجتماعي كمدوّنة وصانعة محتوى تُعنى بمواضيع التجميل والأزياء، ولا يُعرف عنها انخراط في أي نشاط سياسي أو أمني، وهو ما زاد من حالة الصدمة ووسّع نطاق التفاعل الشعبي مع القضية

التفاعل الشعبي.. أزمة ثقة متراكمة

من خلال رصدنا لتفاعل وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام التي تلت الجريمة، تبيّن أن الغالبية الكبرى من المتفاعلين عبّروا عن تشكيكهم في قدرة السلطات الليبية على الوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة. وتكشف تقديرات رصدنا للتفاعلات إلى أن ما بين 70 و80 في المئة من المتفاعلين ذهبت آراؤهم في اتجاه فقدان الثقة بالتحقيقات الرسمية، استنادًا إلى تجارب سابقة انتهت دون نتائج واضحة.

ودعا جزء من المتفاعلين إلى تنحية بعض المسؤولين الأمنيين، معتبرين أن استمرار شخصيات بعينها في مواقع القرار، رغم سجلات مرتبطة بانتهاكات سابقة أو إخفاقات أمنية، يضعف أي مسار قضائي. في المقابل، رأى آخرون أن المشكلة أعمق من الأفراد، وترتبط بانتشار السلاح، ووجود المليشيات، وتعدد مراكز القرار، وغياب سلطة دولة موحدة قادرة على فرض القانون.

كما دعا ناشطون إلى فتح تحقيقات أوسع تشمل قضايا سابقة لم يُكشف عن ملابساتها، سواء تعلّقت بنساء أو رجال، في إشارة إلى أن الاستهداف لا يطال فئة بعينها، بل يشمل كل من له حضور أو تأثير في الفضاء الاجتماعي أو العام، في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.

وأظهر الرصد أيضًا وجود تيار ضعيف ومحدود التأثير رأى أن مقتل خنساء قد يكون مرتبطًا بعلاقتها الزوجية، وبفرضية وجود صلة لزوجها بأحد التشكيلات المسلحة في العاصمة طرابلس. هذا الطرح بقي محدود الانتشار، وقوبل بانتقادات واسعة اعتبرت أنه يبتعد عن جوهر القضية، ويُسهم في تشتيت النقاش بدل التركيز على مسؤولية الجناة ومنظومة الإفلات من العقاب.

إدانات وتحركات رسمية

على الصعيد الرسمي، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية فتح تحقيق في واقعة مقتل خنساء المجاهد، وصرح وزيرها عماد الطرابلسي آنذاك أن النتائج ستعلن “قريبا” وكشفت عن تشكيل فريق أمني لجمع المعلومات والتحري عن الجناة. كما صدرت بيانات إدانة من المجلس الأعلى للدولة، الذي دعا إلى كشف ملابسات الجريمة، وضبط المتورطين، وتعزيز مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

بدورها، دانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الجريمة، ودعت إلى إجراء تحقيق سريع وشفاف وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، معتبرة أن الحادثة تعكس نمطًا مقلقًا من العنف والانفلات الأمني. ورغم أهمية هذه المواقف، بقيت ردود الفعل الشعبية حذرة، في ظل غياب نتائج ملموسة حتى الآن.

منظمات حقوقية.. الإفلات من العقاب

في إطار إعداد هذا التقرير، تواصلنا مع منظمة العفو الدولية، التي اعتبرت أن التشكيك الشعبي في قدرة الدولة على تحقيق العدالة يعكس واقعًا أوسع يتمثل في حالة الإفلات من العقاب السائدة في ليبيا منذ سنوات. وأكدت المنظمة أن قادة جماعات مسلحة ومسؤولين أمنيين يتمتعون بحماية فعلية من المساءلة، رغم تورط بعضهم في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم يعاقب عليها القانون الدولي.

وأشارت المنظمة إلى أن استمرار الحكومات المتعاقبة في دمج عناصر من التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة دون إخضاعهم لتدقيق فعلي أسهم في تقويض الثقة بمنظومة العدالة. كما شددت على أن استعادة ثقة المواطنين تتطلب إجراءات جدية، تشمل تدقيقًا واسعًا داخل الأجهزة الأمنية، وملاحقة جميع المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية عن الانتهاكات متى توفرت أدلة كافية، ضمن إجراءات قضائية تستوفي المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وبما يشمل القادة والمسؤولين الذين علموا أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بوقوع الجرائم ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها.

وفي السياق نفسه، تواصلنا أيضًا مع منظمة رصد الجرائم في ليبيا، حيث قال مديرها علي عمر إن جريمة مقتل خنساء المجاهد، رغم صدمتها، لا تمثل حالة استثنائية، بل تأتي ضمن سياق طويل من العنف والانتهاكات المستمرة منذ سنوات. وأوضح أن ما يظهر في وسائل الإعلام لا يعكس سوى جزء محدود من الواقع، في ظل إخفاء عدد كبير من الجرائم بسبب خوف الضحايا من الجناة، والضغط الاجتماعي، والخشية من الوصمة، إضافة إلى ضعف الوعي وغياب الحماية القانونية والفراغ التشريعي.

وأضاف عمر أن ردود الفعل الواسعة على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الجريمة تعكس فقدان ثقة حقيقيًا ومتراكمًا لدى المواطنين في قدرة السلطات الأمنية والعسكرية على التحقيق والمحاسبة وإنصاف الضحايا، مؤكدًا أن هذا التشكيك ليس انفعالًا لحظيًا، بل نتيجة تراكم طويل لقضايا سُجّلت دون محاسبة فعلية. وأشار إلى أن قضية خنساء سبقتها قضايا أخرى بارزة، من بينها سلوى بوقعيقيص، وسهام سرقيوة، وحنان البرعصي، وغيرها من القضايا التي وقعت في مختلف مناطق ليبيا، وغالبًا ما انتهت دون كشف للجناة.

ولفت مدير منظمة رصد الجرائم إلى أن الانتهاكات لا تقتصر على فئة بعينها، بل تطال النساء والرجال، إضافة إلى النساء المهاجرات بوصفهن فئة شديدة الهشاشة، مؤكدًا أن غياب الأرقام الدقيقة يعود إلى أن عددًا كبيرًا من الحالات لا يصل أصلًا إلى مرحلة التوثيق. وشدد على أن استعادة ثقة الشارع تبدأ بفتح تحقيقات عاجلة وشفافة، والكشف عن المسؤولين الحقيقيين، وضمان محاسبتهم بشكل علني، كخطوة أساسية لكسر دائرة الإفلات من العقاب ومنع تكرار الجرائم.

العدالة المفقودة.. أحجية مفتوحة

تكشف جريمة مقتل خنساء المجاهد عن أحجية العدالة المفقودة في ليبيا، حيث تتقاطع الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتعدد مراكز القوة، مع ضعف منظومة المحاسبة وغياب الثقة العامة. ولا تعكس القضية استهدافًا لفئة بعينها، بقدر ما تُظهر هشاشة الفضاء الاجتماعي ككل، حيث يمكن لأي شخص يمتلك حضورًا أو تأثيرًا أن يصبح عرضة للعنف في ظل غياب دولة قادرة على إنفاذ القانون.

وبين الغضب الشعبي، والتحركات الرسمية، ومطالب المنظمات الحقوقية، تبقى قضية خنساء اختبارًا جديدًا لما إذا كانت السلطات قادرة على فك شيفرة هذه الأحجية وكسر دائرة الإفلات من العقاب، أو ما إذا كانت ستنضم إلى سجل طويل من القضايا التي بقيت بلا إجابات.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة