“قدم العرافة الليبية” لمايكل أنجلو تحطم الأرقام القياسية بـ27 مليون دولار في مزاد علني

بيعت رسمة “قدم العرافة الليبية” لمايكل أنجلو في مزاد علني مقابل 27.2 مليون دولار، وهو رقم قياسي لأي عمل فني من إبداع فنان عصر النهضة الأبرز في المزادات، ويتوقع بحسب “وول ستريت جورنال” أن تؤدي عملية البيع القياسية هذه إلى دفع سوق الفن إلى مستوى أعلى.

عملية البيع لرسم “قدم العرافة الليبية” شهدت مزايدة شديدة استمرت 45 دقيقة، وأقيم المزاد في الخامس من فبراير في مركز روكفلر بمدينة نيويورك الأمريكية ضمن مزادات كريستيز، وقالت دار كريستيز إن الرقم الخيالي الذي تجاوز 27 مليون دولار، يمثل ما يقرب من 20 ضعفًا للسعر التقديري الأدنى لها، وهو رقم قياسي لأعمال مايكل أنجلو في المزادات، وكان الرقم القياسي السابق 24.3 مليون دولار لرسمة أخرى، سُجِل في دار كريستيز في باريس عام 2022، وكانت الرسمة قد اكتشفت عندما أرسل مالكها صورة لها عبر بوابة كريستيز الإلكترونية لطلب تقدير المزاد، فلفتت انتباه خبراء الدار الذين دققوا فيها وأثبتوا نسبتها إلى مايكل أنجلو قبل عرضها للبيع.

واللوحة المكتشفة حديثا هي رسم تحضيري “Study” على الورق، ويخص قدم العرّافة الليبية “Libyan Sibyl”، وكان أنجلو قد نفذ عددا كبيرا من الرسوم التحضيرية الدقيقة على الورق قبل تنفيذ أعماله الجدارية، وقد استخدم في تنفيذ هذا الرسم الطباشير الأحمر، بأبعاد تبلغ نحو 13.5 × 11.5 سم، مع كتابة بالحبر تحمل اسم مايكل أنجلو، وتبرز أهمية هذا الرسم لأنه يرتبط مباشرة بمشروع سقف كنيسة سيستين في أوائل القرن السادس عشر، ويكشف طريقة مايكل أنجلو في التحضير، من اختبار التشريح، واتجاه الحركة، وشدّ العضلات وتوازن الكتلة قبل نقل الفكرة إلى العمل النهائي بتقنية الرسم الجداري.

ويُرجّح أن تاريخ الرسم يعود إلى عامي 1511-1512م، عندما كان مايكل أنجلو يستعد للعمل على النصف الثاني من لوحته لسقف سيستين والذي يتضمن صورة العرّافة الليبية، وقد جسّدها في وضعية ديناميكية ملتوية حيث تضغط أصابع القدم على القاعدة التي تحمل العرافة، والتي يبلغ حجمها ثلاثة أضعاف حجم الإنسان العادي، وقد صوّرت وهي ترفع كتابًا خلفها بحركة دائرية من جسدها أو تضعه، وقد ظهرت العرافات أصلا في الأساطير والميثولوجيا القديمة، خاصة لدى الإغريق والرومان، بوصفهن نساءً ينسب إليهن بعض التنبؤات، قبل أن تنتقل إلى الثقافة والتراث المسيحي، من بينهن العرّافة الليبية.

يجدر بالذكر أن متحف المتروبوليتان يحتفظ برسم أكبر حجما وأغزر تفاصيل للرسم التحضيري للوحة العرافة الليبية كاملة، وتظهر حركات تفصيلية ودقة متناهية للعمل قبل تنفيذه على سقف كنيسة سيستين، وقد حصل عليها المتحف سنة 1924 وتحتل مكانة بارزة ضمن معروضاته.

ويُعتبر مايكل أنجلو فنانا شاملا جمع بين النحت والعمارة والفكر، وتعد أعماله في كنيسة سيستين من أيقونات التراث الإنساني. تميزت مسيرته بالاهتمام بالرسومات التحضيرية التي كانت بمثابة مختبر لأفكاره الإبداعية، وهي رسومات ما تزال محل اهتمام المتاحف منذ قرون وحتى يومنا هذا، ورغم ضياع كثير من تراثه الورقي، وصل إلينا قرابة 600 ورقة فنية منها، تحتفظ المتاحف والمؤسسات الدولية بمعظمها، وقليل جدا منها ما يملكه أفراد.

وتقع كنيسة سيستين في قلب الفاتيكان، وتعد أحد أهم المعالم التاريخية والفنية في العالم، وتمثل ذروة الإبداع الفني لعصر النهضة في إيطاليا، ومكانا تشكلت فيه قصة بصرية أثرت في تاريخ الفني الغربي والعالمي برمته، وسقف كنيسة سيستين الذي نفذه مايكل أنجلو حول الفضاء إلى مسرح مذهل تتفاعل فيه عشرات الشخصيات ضمن بناء فنّي وسردية تجمع الرواية الدينية والدراما الإنسانية، إل جانب الدقة غير المسبوقة في تجسيد تحركات الجسد البشري في أدق تكويناته.

ولا تقتصر قوة أعمال مايكل أنجلو على الدقة والتفاصيل التقنية، بل تتجاوزها إلى قدرته على إظهار التعبيرات، إذ تبدو الشخصيات مختلفة التفاعل، متوترة، ومتأملة، ومندفعة أحيانا، ولذا أصبح هذا المكان مرجعا فنيا وبصريا عالميا ومختبرا مركزيا لأساليب التكوين والحركة في الأعمال الفنية، ووجهة لا يمكن تجاوزها لاستكشاف فن عصر النهضة، وكيف أثر مايكل أنجلو في تاريخ الحركة الفنية العالمية.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة