ذات يوم من أيام نالوت المملة في منتصف الألفينيات، استيقظت على صورة ضخمة لسيف الإسلام القذافي، وقد علقت غير بعيد عن صورة بنفس الأبعاد تقريبا لوالده، كان ذلك إعلانا بأن زيوس قد تناسل كما يبدو وأنجب إلها جديدا، وعلى الجماهير الشعبية أن تستعد لفصل جديد من طقوس العبادة ومراسم التكريس، كانت تلك الإطلالة جزءا من جولة قام بها سيف الإسلام القذافي حول مدن عديدة على طول البلاد وعرضها، وقد اتبعه رهط غير قليل، عاقدين الأمل فيه على كسر دائرة اللاحياة التي طبعها والده على هذه البلاد لعقود طويلة، وبالطبع، التف حوله أفضل خريجي مدارس الهتاف وال”زيد تحدى” والبراعم التواقين لفرص الصعود، كنت أعرف بعض من التصق به معرفة شخصية، شخصيات فارغة انتهجت ما يتجاوز البراجماتية إلى انحطاط لا قرار له في مهاوي التطبيل والانتهازية.
محاطا بكل هؤلاء، خرج سيف الإسلام القذافي في مشهد كان قبله يائسا، وبعث أملا غير موثوق في إمكانية أن يتغير شيء ما، كان التوقيت مثاليا، فوالده الذي مارس طفولته ومراهقته في الحكم، وعبثت نرجسيته وتقلباته وعناده غير السياسي بمصير البلاد، كان قد بلغ الحلم أخيرا، وتخلى عن كثير من أوهامه، بل ارتد على كثير من مبادئه الرئيسية، فالدول الإمبريالية لم تعد إمبريالية جدا، والفلسطينيون لم يعودوا محقين تماما، بل أغبياء فوتوا فرص السلام، السلام نفسه الذي طالما صلبه وجلده في خطاباته، أصبح فرصة ضائعة، الإشتراكية لم تعد فكرة غير قابلة المساس.. ملامح الرأسمالية ورموزها كانت قد غزت المدن الليبية تدريجيا، والوحدة العربية التي أوقف الملايين ليتغنوا بها، صارت نكتة في كلماته المرتجلة أمام جموع المرتعشين، -لاحقا- حتى السيادة، كانت قابلة للتفاوض، وقد سمح للمجتمع الدولي بالتدخل من الأسلحة الكيماوية وحتى المساجين والشأن القضائي، لم يكن قد بقي من قذافي الثمانينات والسبعينات سوى نرجسيته المريضة، ومرآته التي يرى نفسه فيها إلها محاطا بالنساك، يبحث عنهم في واقادوغو وأنجامينا بعد أن أضلهم في دمشق والقاهرة.
كل ذلك جعل الأمل مضاعفا، ثمة كوة ترى بوضوح في الجدار الذي ظن الجميع أن لا سقوط له، شيء ما على وشك أن يحدث بعد أن أيس الجميع، إعلانات متلاحقة لمشاريع، ملتقيات تتلو أخرى، وعود تقطع، مشهد سريالي لجموع من الحالمين والعابثين والقطط السمان والحرس القديم المتوجس من الإيقاعات الجديدة لنغمة لطالما كانت تعزف على وتر واحد، دون سلالم، وخلف هؤلاء جميعا هناك القذافي الأب، وحوله ما تبقى من “الهاربيز” الذين لا يعيشون دون احتقار وأذية الآخرين.. كان هناك مواجهة يصعب تجنبها.. ولم يجر الإعداد لها بشكل واضح.
وفي ذروة تحليقه، ومع اقترابه من شمس الفاتح، ذابت أجنحة “إيكاروس” وهوى إلى الأرض مرة أخرى، أصبحت الوعود بالتغيير سرابا، وبدا لكثيرين أن الاندفاع الكبير وراء “الغد” كان مبالغا فيه، فأبناء الأمس مازالوا قادرين على إدارة اللعبة، وقد أثبت والده أنه ما يزال في ضلاله القديم، قادرا على اختراع الأعداء وخوض معارك على طريقة “الدون كيخوته”، فاتهم الفيفا بالتآمر حين سخرت من ملف ليبيا وألقته في المزبلة رافضة التصويت عليه، وأعلن الجهاد ضد سويسرا بسبب مشكلة تافهة مع أحد أبنائه، وفيما عدا بعض المشاريع التي ظلت صامدة، فإن الإحباط عاد، وقد عاد لينتقم، مضاعفا ثقيلا قاسيا على الجميع، غير قابل للإزاحة مرة أخرى.
كانت المعركة داخلية في الحقيقة، فقد كان سيف الإسلام نفسه نصف متعلم، ونصف متخلف، نصف قبلي ونصف متمدن، نصف إصلاحي، نصف ظل لوالده ونصف مارق عنه، وكان على كل نصف أن يهزم الآخر، وفي كل اختبار حقيقي كان ينتصر نصفه السيء، في مقابلته على الجزيرة حين سألته صحفية عما يرغب في رسمه، أجاب بلغة حمقاء: نرسم بحر ليبيا.. ونقول اللي مش عاجبه بابا يشرب منه!
في كتابه الذي صدر قبل عشر سنوات، يروي مستشاره محمد الهوني تفاصيل ليلة ما قبل خطاب “الإصبع الشهير”، متحدثا عن نص وسيناريو مختلف تماما جرت مناقشة إلقائه من قبل سيف الإسلام، يتضمن لغة تصالحية وتصحيحية، لكن اجتماعات جرت بينه وبين والده وبعض حاشيته أفضت إلى خطابه الشهير، واحد من أغبى الخطابات التي يمكن أن يكون سياسي قد ألقاها في التاريخ، الكلمات التي أفضت إلى لحظة اللاعودة، والانفصال التام بين مؤيديه ومعارضيه.
لاحقا، وأمام جمع ممن تبقى من أنصاره، أعلن سيف الإسلام القذافي عن إستراتيجية ما بعد النصر، مؤكدا أن الجيش سيعاد هيكلته ليتكون من قبائل معينة ومدن معينة فيما ستحرم مدن وقبائل أخرى من الانخراط فيه، عقابا لهم على معصية والده، إلى جانب ترهات أخرى اختفى فيها “الإصلاحي المتعلم” خلف قبلية تنتمي لجاهلية والده الذي يصر على معرفة جدا كل من يخاطبه ليحكم عليه من قصص جدته، ويحمله جريرة أساطير الأولين، وخيالات الشعراء والحكائين.
كان سيف الإسلام “أوديب الخائب” كما تصفه رجاء سلامة في تقديمها لكتاب الهوني، كان نجاحه يمر فقط من خلال إقصاء والده، وكان يمني نفسه بذلك، لكنه كان يجبن في كل مرة، لم يتردد في انتقاد سياسات والده من خلال رجل قش يسميه القطط السمان والمتنفعين والأشخاص اللي مافهموش الكتاب الأخضر إلخ، لكنه كان يتراجع في كل مرة تصل فيها المواجهة للحظة الحقيقة، لم يكن سيف الإسلام مؤمنا بترهات الكتاب الأخضر والفكر الثوري والمؤتمرات الوهمية، لم يكن يؤمن بها أحد في الحقيقة، لكن، في اللحظات المصيرية كان مضطرا للتمترس خلفها. في كل ما يتعلق بسيف الإسلام هنالك هذه ال “لكن”.
أفهم الإحساس المعقد والكلمات المضطربة التي تسيطر على البعض وهم يتناولون خبر وفاته، إنه شعور طبيعي، لأنك أولا كائن بشري.. يمكن أن تشعر بأشياء متناقضة، ويمكن أن تتخذ مواقف مركبة ومعقدة، والأهم.. لأن سيف الإسلام القذافي كان كذلك! لم يكن شخصا واحدا.. كان مترددا، شكاكا، وريثا لعائلته في الصباح، ومتمردا عليها في المساء، لقد كان كل شيء ولا شيء، وهذا ما سمح لكل أحد برسم صورة خاصة لسيف، بنفس موهبته المتواضعة في الرسم، والخيارات غير المحدودة لملامحه الهلامية، لقد كان سيف مجرد أمل زائف في توقيت يائس… فالرفق ببعضكم.