أثار التصعيد السعودي ضد الإمارات في اليمن، المتمثل في توجيه ضربة جوية لناقلة محملة بالمركبات والعتاد اللوجستي كانت راسية في ميناء المكلا بحضرموت، وما تبعه من تصعيد إعلامي ودبلوماسي عبر بيانات رسمية اتهمت أبوظبي بتعزيز الانقسام في اليمن وتهديد الأمن القومي السعودي، أثارت تساؤلات سياسية وعسكرية حول ما إذا كان هذا الخلاف سيمتد بشكل مباشر إلى ساحات إقليمية أخرى، وصولا إلى ليبيا. أو يلقي بظلاله سياسيا معنويا عليها؟
ليبيا بعيدة عن صدام الخليج
يقدم جوناثان واينر، المبعوث الأمريكي الأسبق في ليبيا والزميل الدبلوماسي في “Middle East Institute” قراءة تخفض سقف الصراع، إذ يرى واينر، في مداخلة مكتوبة لموقع ليبيا الأحرار، أن اليمن جار ملاصق للسعودية وليس للإمارات، وأن دعم الإمارات لقوى جنوبية ضد الحوثيين شيء، ودعم قوى تعمل قرب الحدود السعودية شيء آخر يرفع الحساسية ويستدعي خطوطا حمراء.
ويضيف واينر أن الاستجابة الإماراتية المعتادة عندما تواجه خطوطا حمراء من طرف لا ترغب في خسارته غالبا ما تكون تقليل دلالة الخلاف علنا والسعي لاحتوائه بخطاب تهدئة، حتى لو كانت التعديلات تكتيكية لا دائمة، ويخلص إلى أن التباعد أقرب للإدارة والاحتواء من أن يتحول إلى تمدد صراعي في ساحات مختلفة.
وعن ليبيا تحديدا، يقول واينر إنه لا يرى للسعودية رهانات وجودية في ليبيا كما في اليمن، وإن انخراطها حتى الآن يميل إلى دعم الوساطة والمسارات السياسية المدعومة دوليا، مع احتمال توسع اقتصادي.
ويقترح واينر مؤشرا عمليا للربع الأول من عام 2026 يعتمد على مراقبة أي نمط منتظم ومتكرر من اللقاءات بين مسؤولين سعوديين كبار أو جهات اقتصادية/عسكرية ذات صلة وبين حكومة الدبيبة أو محيط عائلة حفتر؛ قائلا إن ذلك -إذا حدث- فإنه يعني بناء حضور سعودي مستقل، حتى لو استمر التنافس ضمن نطاق تتم إدارته.
ظلال معنوية وسياسية
في قراءة أكثر اتساعا للإقليم، يرى الباحث التركي “أحمد أويصال” أستاذ علم الاجتماع بجامعة قطر، أن التباين السعودي – الإماراتي “محوري وعميق” ويتجاوز البعد التكتيكي، ويربطه بتعارض نموذجين في المنطقة، نموذج يميل إلى الاستقرار والتنمية والتهدئة، مقابل نموذج يتهمه بدفع اتجاهات الانقسام وإضعاف الدولة في بعض الساحات.
بالنسبة لليبيا، لا يذهب “أويصال” إلى أن التأثير سيكون مباشرا لأن ليبيا ليست أولوية سعودية أولى، لكنه يتوقع أثرا سياسيا ومعنويا إذا انعكس التحول الإقليمي في شكل مواقف أقل تسامحا مع مسارات الانقسام أو دعم شبكات تكرّس ازدواج المؤسسات.
الكفرة.. بوابة أبوظبي للسودان
ومع الرحلات المتزايدة من الإمارات إلى مناطق نفوذ حفتر، يقدّم جلال حرشاوي، الباحث المتخصص في الشأن الليبي والنزاعات الإقليمية، قراءته لموقع “ليبيا الأحرار” حول تحولات الكفرة خلال آخر 9–12 شهراً، حيث يربط حرشاوي التطورات في هذه المنطقة بتداخل أدوار الإمارات وعائلة حفتر ومصر وقوات الدعم السريع السودانية، ويقول إن السعودية -على خلاف بعض الافتراضات- لم تلعب دورا مباشرا في الأنشطة المرتبطة بالنزاع السوداني داخل ليبيا، إذ تركز دعمها للجيش السوداني منذ أبريل 2023 على محيط الخرطوم وبورتسودان لا على شمال دارفور أو خطوط الإمداد المنطلقة من ليبيا.
ويشير حرشاوي إلى أنه منذ أواخر مايو/مطلع يونيو بدأت طائرات شحن إماراتية محمّلة بمعدات عسكرية تهبط في مطار الكفرة بمساندة وحدات صدام حفتر، مقدرا وتيرة الهبوط بنحو رحلة يوميا (30–35 رحلة شهريا)، ويضيف أنه في نوفمبر، وبعد سقوط الفاشر في 27 أكتوبر، تعرضت أرتال لقوات الدعم السريع متجهة من جنوب شرق ليبيا إلى شمال دارفور لضربات جوية، مع شهادات عيان تحدثت عن مقاتلات “ميغ-29” تتبع مصر، ما قد يعكس -وفق تقديره- تبدلا في مقاربة القاهرة لهذه الأنشطة.
ويؤكد حرشاوي أن هذه القراءة تعتمد على تتبع أنماط وتحولات ميدانية وشهادات، وتحتاج بطبيعتها إلى مزيد من التحقق المستقل، قائلا إن منطقة “الكفرة” يمكن اختبارها، مشيرا إلى أنّ تغير شيء في التمويل أو الرسائل أو الضغوط، فغالبا سيظهر أثره أولا في الجنوب قبل أن يصل إلى عناوين السياسة في طرابلس وبنغازي.
وفي مداخلة للموقع، يرى المحلل السياسي، صلاح البكوش، أن الخلاف السعودي-الإماراتي لا يبدو مرشحا لصدام مباشر في ليبيا، لكنه قد يتجلى عبر المال والوساطة والترتيبات الأمنية في الفترة القادمة.
ورأى البكوش أنه مع سعي الأطراف الليبية لاستثمار أي تنافس، فإن هناك مؤشرات يمكن البناء عليها لرصد أي تنافس محتمل تشمل استمرار أو تغير الدعم في الشرق لوجستياً ومالياً، وطبيعة التموضع السعودي سياسيًا تجاه الشرق، وقدرة حكومة الوحدة على تضييق ثغرات الشرعية، ومسار التسليح شرقا، وأخيرا المثلث الحدودي جنوبا كاختبار للتهريب والإمداد، وفق البكوش.
تقرير | صابر بن عامر