مصادفة لمؤرخ فرنسي تكشف فظائع إيطاليا في ليبيا

 إحياء الأرشيف المنسي

الصدفة تكشف عن مئات الصور والوثائق النادرة للفظائع الإيطالية في طرابلس

في عام 2008 فيما كان المؤرخ الفرنسي بيير شيل ينقّب في أرشيفات إقليم هيرولت في جنوب فرنسا، بحثا عن وثائق تتعلق بإضرابات عمالية وبوثائق لأحد الكتاب والأطباء الفرنسيين، إذ وقعت عيناه على وثائق بصرية غيرت مسار عمله لأزيد من عشر سنوات لاحقة، إنه لقاء الصدفة الحاسمة بين المؤرخ والأرشيف.. كما تصفه الباحثة الإيطالية كيارا باغانو.

كان الاكتشاف عبارة عن ثلاثين صورة بلا شروح، وبلا تاريخ، وبلا تحديد للمكان، منزوعة من أي سياق، لكنها تُظهر بوضوح مشاهد عنف استعماري فظيع، ما طرح سيلا من الأسئلة، تحولت إلى مشروع بحث واستقصاء يتمحور حول الحياة المسلوبة التي تحتفظ تلك الصور بذاكرتها، قادت شيل في النهاية إلى اكتشاف أن الصور تخص الكاتب والمراسل الصحفي غاستون شيرو، لاحقا.. توسعت المجموعة لتتجاوز 200 صورة، وعشرات الوثائق والمراسلات، لتشكل في النهاية كتابا جديدا “إيقاظ أرشيف حرب استعمارية” أو بالفرنسية: “Réveiller l’archive d’une guerre coloniale” والذي أصبح من بين أكثر الكتب إثارة للاهتمام في مجال الدراسات الاستعمارية والأرشيفية.

وصل غاستون شيرو، الصحفي والكاتب والمصور الفرنسي إلى طرابلس في شهر نوفمبر عام 1911، بتكليف من قبل صحيفة “Le Matin” لتغطية الحرب الجارية بسبب الحملة الإيطالية لاحتلال ليبيا، لقد كان وصوله حاسما، إنها أيام قليلة بعد معركة الهاني، إحدى أبرز المعارك التي خاضها المقاومون الليبيون ضد قوات الاحتلال الإيطالي، والتي تكبدت فيها الأخيرة خسائر تاريخية، وما كان منها سوى أن صبت غضبها على المدنيين، فارتكبت إحدى أبشع مجازر الاحتلال في حق المدنيين، وهجرت كثيرا من السكان، ونصبت المشانق في الساحات لترهيب السكان، كان شيرو شاهدا على كل هذا، موثقا ذلك بالصورة، وبالمراسلات الرسمية للصحيفة، والأهم المراسلات الشخصية مع عائلته التي كتبت بلغة متحررة من قيود الصحافة والسرديات الأوروبية، في إحدى مراسلاته يقول بوضوح:

“أعتذر للأشخاص الذين قد تصدمهم هذه الصور، لكن من الضروري أن يكونوا على علم بالفظائع المرتكبة”

في هذا المشهد العنيف، كان شيرو يقف في مساحة معقدة، يصف الأستاذ في جامعة باريس والمتخصص في قضايا الأرشيف والذاكرة الاستعمارية بول نورّو شيرو بأنه ليس مُدانا واضحا ولا مجرد ناقل للدعاية، بل هو عالق في تناقضات النظرة الاستعمارية ذاتها. ويضيف أن تعليقاته تكشف في آن واحد التأثر العميق والضغط الذي كان واقعًا عليه بحكم انتمائه الفعلي إلى معسكر الأوروبيين والمستعمِرين، وهو انتماء كانت تذكّره به الرقابة العسكرية في الميدان كما تذكّره به هيئة تحرير صحيفته في باريس.

تحتل المشانق التي نصبها الإيطاليون في الساحات العامة لإعدام المقاومين الليبيين للاحتلال، والمتعاونين معهم، أولئك الذين قرروا الدفاع عن وطنهم وحريتهم، مساحة واسعة من الصور التي التقطها، إنها صور تنبض بالألم، لكنه توثيق نادر لمراحل تلك الجريمة وتداعياتها، يكتب شيرو:

“نُفذ حكم الإعدام شنقًا على أربعة عشر عربيًا متهمين بالمشاركة في ثورة الشط.. وصل موكب الإعدام على تمام الساعة الرابعة والنصف صباحا في ساحة سوق الخبز بطرابلس، سار المحكوم عليهم بخطى ثابتة. كانوا يتمتعون بقوة شخصية وشجاعة لم أرَ مثلها في أي مكان آخر، عندما فُتحت أبواب المشنقة، سقطت الجثث الأربع عشرة معا. لم يصدر عنهم أي صراخ، لم يتحركوا قيد أنملة، فقط تأرجحت أرجلهم ببطء وثبات.. أبقيت الجثث معروضة طوال اليوم”

وكما تشير باغانو، تُظهر صور الشنق عنفا استعماريا مصممًا ليُرى، ومعروضا في الفضاء العام بوصفه رسالة سياسية، ويتيح لنا كتاب شيل فهم أن هذه الممارسات العنيفة لا تندرج ضمن تجاوزات معزولة، بل ضمن جهاز استعماري متماسك وسياسة واضحة وممنهجة، ولم يقتصر الأمر هنا على فعل الشنق والإعدامات الميدانية فقط، بل تجاوزه إلى التعامل ما بعد الموت، يكتب غاستون شيرو:

“… كانت الأرض ما تزال مفروشة بالجثث في أرجاء طرابلس، لم يدفنها الإيطاليون، كانت الشمس تحرقها أو كانت الكلاب تنهشها”

كان هذا الاقتباس جزءا من رسالة خاصة مرسلة إلى عائلته، تظهر في آخرها تأملات ومقارنة لا تخلو من سخرية حيث يقول: “عندما يُسمح بفعل الشيء نفسه لموتاهم، يثور الإيطاليون… على أي حال!” تظهر الرسائل الشخصية التي أرسلها شيرو لعائلته، عن كتابة أكثر قلقًا، وأكثر تعاطفا، وأكثر نقدًا تجاه العنف الاستعماري، في رسالة أخرى إلى والدته يقول شيرو:

“أمام حصاني، يرقد جثمان مسكين عار لم يُدفن قط رغم مرور عشرة أيام، وجدت جماجم هنا، وعظام سيقان هناك… الحرب أمر محزن، لكنها أشد حزنا وأسى في بلد كهذا”

وفي رسالة إلى ابنه يكشف عن جانب آخر من مأساة الأطفال في الحرب:

“عزيزي الصغير، لقد بحثت عن دمى أو ألعاب لك، لكن لا وجود لها في هذا البلد، الصغار لا يلعبون تقريباً”

ومن هنا تكمن أهمية عمل المؤلف بيير شيل في جمعه لتراث شيرو، فهذا المسار الطويل، الذي بدأ من صندوق مهمل في أرشيف إقليمي وانتهى إلى إعادة تركيب واحدة من أكثر الشهادات إرباكا عن بدايات الاحتلال الإيطالي لليبيا، لم يقدّمه بيير شيل كألبوم صور جامد، بل صاغه كبناء مركب تتقاطع فيه الصورة والنص والتحليل. وفيما جاء الفصل الأول مكرّسا لما يزيد عن مئتي صورة التقطها غاستون شيرو بين 1911 و1912، تلت ذلك فصول تجمع مقالات شيرو الصحفية، ثم رسائله الخاصة إلى زوجته وعائلته، وهي نصوص تكشف مسافة واضحة بين خطاب الصحافة الخاضع للرقابة، واللغة الشخصية التي يكتب بها شيرو عن المشانق، والجثث، والكوليرا، والحياة اليومية في طرابلس. أما القسم الأخير من الكتاب، فيضم دراسات تحليلية أنجزها شيل وباحثون آخرون، تضع هذه المواد في سياقها التاريخي والسياسي، وتتناول تاريخ تداول أرشيف شيرو لاحقًا في المعارض والنقاشات العامة.

يقدّم الكتاب وثيقة تاريخية بصرية ونصية، لواحدة من أهم فصول تاريخ ليبيا وأكثرها قسوة ومرارة، ويكشف مرة أخرى، أن الكثير من حكايات الليبيين المنسية، ماتزال محبوسة في أدراج الأرشيفات وخزائن المكتبات، في  انتظار من يكشف عنها ويعطيها حقها من التوثيق والتذكر.

في واحد من مقالاته الأخيرة التي نشرها غاستون شيرو في يناير سنة 1912، يصف مشهد مغادرته لطرابلس، والظلال التي تركتها معايشته للتجارب المريرة في هذه المدينة:

“مغادرة طرابلس أشبه بالانتصار في معركة، وعلى بعد ميلين من الساحل، عندما تجد نفسك على متن السفينة التي ستقلك بعيدا عن هذه الأرض التي شهدت فيها مشهدا مرعبا لموت حضارة عريقة لم تخترقها أي حضارة من قبل، تتساءل إن كان ما قد عشت حلما سيئا، وإن لم تكن الأيام التي انطبعت تواريخها في ذاكرتك بأرقام حمراء سوى مراحل كابوس طويل.

اختفت طرابلس. ابتعدت المدينة، ممتدة بكل بياضها عند اقدام مآذنها ذات القباب الخضراء؛ ثم ارتفعت الواحة فغطتها، وبعدها ظهر خلفها الخط الشاحب للصحراء، ومن وراء ذلك برزت الجروف الصخرية التي كنا نلمحها من الخنادق ونحسبها بعيدة، فإذا بها الآن تبدو قريبة وعالية. وتلاشى كل ذلك في سماء قرمزية، تشبه الوجوه التي رأيناها في بعض أمسيات القتال”

المزيد من الصور:

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة