ليبيا في أرفف المكتبات العالمية في عام 2025

شهد عام 2025 زخما ثقافيا بارزا في ليبيا، تجلى بوضوح في عالم الكتاب والفعاليات المتصلة به، حيث رسّخ معرض طرابلس الدولي للكتاب الذي تنظمه النيابة العامة مكانته كأهم تظاهرة ثقافية في البلاد بنسخته الثانية تواليا، بعد غياب طويل، وتزامن ذلك مع احتضان مدينة بنغازي أيضا لمعرض دولي آخر للكتاب، ما يعكس اهتماما متزايدا بعالم النشر رغم التحديات الكبيرة التي يواجهها.
أما عالمياً، فقد واصلت القضية الليبية حضورها القوي في كبريات دور النشر، حيث حفلت إصدارات عام 2025 بمؤلفات متنوعة، تراوحت بين الدراسات البحثية المعمقة التي تُحلل أبعاد الأزمة السياسية ومآلاتها المستقبليّة، وبين نصوص أدبية وروائية نجحت في نقل الحكايات والتفاصيل الإنسانية الليبية إلى جمهور عالمي بلغات وثقافات مغايرة.

● ستيفاني ويليامز تنشر مذكراتها

صدر عن دار هرست “HURST” كتاب من تأليف المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني وليامز، وقد حمل عنوان: “ليبيا منذ القذافي: الفوضى والبحث عن السلام”، وتقدم المبعوثة الأممية السابقة تشريحاً معمقاً للمشهد الليبي من منظور دبلوماسي، مستندةً إلى خبرتها وتجربتها المثيرة للجدل في ليبيا، وتستعرض ويليامز في طيات الكتاب كواليس انهيار العملية السلمية عقب الحرب في طرابلس سنة 2019، ثم محاولة إحياء التوافق الدولي عبر “مسار برلين” ومساراته الثلاثة: العسكرية والاقتصادية والسياسية. وتوثق تجربتها في قيادة الوساطة خلال جائحة كورونا، مبتكرةً أدوات رقمية لتسهيل الحوار.
الكتاب ليس مجرد مذكرات، بل هو تجربة نقدية تحلل أدوار القوى الخارجية والفاعلين المحليين، ويطرح رؤى عملية لكسر حلقة العجز المؤسسي، بما يلبي تطلعات الليبيين في العيش بسلام، واعتبره عدد من النقاد منذ صدوره مصدرا أساسيا لفهم تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في البلاد.
يحتل هجوم حفتر على طرابلس وما تبعه من تداعيات مساحة مهمة في الكتاب، إذ يعد نقطة تحول محورية في مسار العملية السياسية، وتعتبر ستيفاني أن هجوم خليفة حفتر على طرابلس في أبريل 2019 “حطّم المسار السياسي في اللحظة التي كان فيها مؤتمر وطني جامع وشيكًا”، معتبرة أن القرار لم يكن اندفاعًا عسكريًا بل محاولة واعية لفرض أمر واقع بالقوة. وترى أن مكالمة الرئيس الأمريكي ترامب مع حفتر بعد بدء الهجوم “أرسلت الإشارة الخاطئة في التوقيت الخاطئ”، إذ اعتبرها الأخير كضوء أخضر للاستمرار عسكريًا، ما قوّض جهود الأمم المتحدة وأطال أمد الحرب.
وفيما يخص الدور الروسي والتركي، تكتب ويليامز أن موسكو “كانت أقل اهتمامًا بالسلام من اهتمامها بالأوراق والنفوذ”، وأن وجود المرتزقة “غيّر ميزان المعركة دون أن ينهي الحرب”، بما جعلها عامل تصعيد لا استقرار. أما التدخل التركي، فتقرّ أنه غيّر موازين القوى ومنع سقوط طرابلس، لكنها تضيف أنه “عمّق تدويل الصراع الليبي”، لتخلص في النهاية إلى أن الحرب لم تكن حتمية، بل كانت نتاج قرارات اتخذها فاعلون محليون ودوليون في لحظة كان يمكن فيها تجنّب الانزلاق إلى نزاع واسع.

● هشام مطر يواصل حصد الجوائز العالمية

لا شك أن هشام مطر هو أحد أنجح وأبرز الروائيين الليبيين المعاصرين عالميا، وقد نجح نجاحا استثنائيا في تحويل التجربة الليبية الخاصة إلى سؤال إنساني، وقد تشكّل مشروعه الروائي حول المنفى الاختفاء القسري، متمحورا حول والده “جاب الله مطر” المعارض الليبي الذي اعتقل في مصر في ظروف غامضة ونقل إلى ليبيا في التسعينيات لتنقطع أخباره ويختفي منذ ذلك الحين، وفي روايته الأولى “في بلاد الرجال” قدّم هشام سردًا مكثفا لطفولة تعيش تحت وطأة نظام قمعي، وهي رواية وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر ونالت جوائز أدبية مرموقة. ثم جاءت رواية “اختفاء” لتعمّق سؤال الفقد عبر التركيز على علاقة الأب وابنه في المنفى، وتأثير السلطة والسياسة والبحث عن ملاذ آمن على الحياة الأسرية والعلاقات الخاصة بين الطفل ووالده، لكن نجاح هشام مطر الأكبر كان عبر “العودة” الذي مثّل ذروة هذا المشروع، حيث خصصه لاختفاء والده في سجون القذافي ورحلة البحث عنه وعن أي أثر له، وروى فيه قصة عودته لليبيا ودخول سجونها بعد ثورة فبراير، وفازت هذه الرواية بجوائز عالمية عدة أبرزها جائزة “بوليتزر” للسيرة الذاتية عام 2017.
في روايته الأحدث لعام 2025: “أصدقائي” الصادرة عن دار “بنغوين” الشهيرة، يتتبع هشام مطر حياة ثلاثة أصدقاء ليبيين في المنفى اللندني منذ الثمانينيات وصولًا إلى لحظة 2011. وتستكشف الرواية كيف تختبر الصداقة الصراع السياسي عن بعد، وكيف يعاد تشكيل الولاء والذنب والانتماء حين يصبح الوطن حدثا يعاش من الخارج، الرواية لا تروي الثورة بقدر ما تناقش أثرها الأخلاقي على من ينجو، وقد حظيت “أصدقائي” باحتفاء نقدي واسع، وفازت رواية أصدقائي بجائزة أورويل للرواية السياسية لعام 2024، وهي جائزة بريطانية مرموقة تمنحها مؤسسة أورويل للأعمال الأدبية التي تعالج الشأن السياسي بعمق فني وأخلاقي، كما نالت الرواية في عام 2025 جائزة نقاد الكتاب الوطنية الأمريكية “National Book Critics Circle Award”.

● عائشة الأصفر تفوز بجائزة “القدس” الروائية

في الأدب النسائي، تألقت الروائية الليبية عائشة الأصفر حيث فازت بجائزة “القدس للمرأة العربية للإبداع الأدبي للرواية” لعام 2025 عن روايتها “إيشي”، الجائزة التي نظّمتها وزارة الثقافة الفلسطينية بالتعاون مع وزارتي شؤون المرأة وشؤون القدس في رام الله، تمنح للأعمال الأدبية النسائية التي تقدم إبداعًا متميزًا في الرواية العربية، وعقب فوزرها، أعلنت عائشة الأصفر التبرع بكامل قيمة الجائزة البالغة عشرين ألف دولار، لصالح الشعب الفلسطيني ونضاله.
وتنطلق الرواية من لقاء استثنائي يجمع بين الشاب “احبيب” من مدينة سبها وخادمة عائلته السابقة “إيشي” على متن حافلة متجهة من طرابلس إلى مرزق، ومن خلال هذا اللقاء، تنفتح ذاكرة السرد على عوالم جغرافية وتاريخية شاسعة تربط المدن الليبية بعمق القارة الأفريقية، يستعرض النص قضايا التهميش وتناقضات المجتمع وظواهره متفاوتة القسوة، وقد لاقت الرواية اهتماما واضحا من النقاد والقراء.

● إبراهيم الكوني.. الحضور والغياب

واصل الروائي الكبير إبراهيم الكوني حضوره المثير للجدل في المحافل الثقافية، وارتبط اسم الكوني هذا العام بترشيحه -غير المؤكد- لبعض الجوائز الأدبية، لكنه واصل حضوره في معارض الكتب والفعاليات الثقافية لعدد من الدول، كما صدر عن المؤسسة العربية للأبحاث والنشر كتابه الجديد “ذاكرة العدم: الشهادة في حق الإنسان الهجري”
وفي طيات الكتاب يقدم الكوني طرحا فكريا يركز على نقد الحضارة الحديثة من زاوية وجودية، معتبرا أن التحول من الترحال إلى الاستقرار، ومن الاكتفاء إلى التملك، أسهم في تعميق أزمة الإنسان المعاصر.
ينطلق الكتاب من مفهوم “الإنسان الهجري” بوصفه نموذجًا لفهم العلاقة بين الحرية والوجود، حيث تُفهم الهجرة هنا باعتبارها موقفا فكريا وأخلاقيا لا انتقالا مكانيا، ومراجعة لمسار الإنسان التاريخي الذي انتهى، بحسب المؤلف، إلى قطيعة مع شروطه الأولى.
كما يعود الكوني لطرح أفكاره اللسانية المثيرة للجدل، حيث يقدّم اللغة الأمازيغية بوصفها لغة البدء ولسان التكوين، والشيفرة التي تحمل سر الكون والوجود والتي انبثقت منها بقية الألسن.

تُظهر هذه الإصدارات وغيرها مما قدمته دور النشر ومراكز البحث والدراسات في عام 2025 أن ليبيا ما تزال حاضرة بقوة في عالم النشر، سواء من خلال الكتب التحليلية التي تحاول فهم تعقيدات المشهد السياسي، أو عبر الرواية التي تنقل التجربة الليبية إلى فضاءات إنسانية أوسع، أو من خلال الأعمال البصرية التي تسعى إلى تقديم البلاد بأساليب جديدة. ويعكس هذا التنوع اهتماما متزايدا بليبيا خارج إطار الخبر اليومي، ورغم اختلاف المقاربات والأساليب، فإن هذه الإصدارات تساهم في إثراء النقاش حول ليبيا، وتؤكد أن الكتاب ما يزال أداة مهمة لفهم ما جرى وما يجري.

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة