تراجيديا السماء.. تسلسل زمني للكوارث الجوية الليبية

في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، كان الطيار والكاتب الروائي الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري يقود رحلة طيران طويلة لكسر رقم قياسي في الطيران دون توقف، ومن بين كل الاحتمالات الممكنة، اختارت طائرته أن تتعطل فوق الصحراء الليبية، ولكنه نجا من تلك التجربة الخطيرة، وألهمت تجربته تلك قريحته الأدبية ليكتب روايته: “الأمير الصغير”، التي ستصبح أكثر رواية ترجمت إلى لغات أخرى، وأحد أكثر الأعمال الأدبية قراءة وانتشارًا، تبدأ أحداث رواية المغامرات الخيالية تلك من تعطل طائرة البطل، من التجربة الحقيقية التي عايشها إكزوبيري، ثم ينطلق لينسج من هلوسات الصحراء أحداثا شيقة وحبكة فريدة.

في كتابه الآخر “أرض البشر” يبعد إكزوبيري عن الخيال ليقترب من الواقع، ليسجل الحادثة نفسها “الأمر لا يتعلق بالطيران” يقول إكزوبيري: “إننا على اتصال بالريح، بالنجوم، بالليل، بالرمل، بالبحر، نتحايل على القوى الطبيعية، ننتظر الفجر كما ينتظر الفلاح الربيع، ننتظر المحطة كأرض ميعاد، ونبحث عن حقيقتنا في النجوم”.. يصف إكزوبيري المهنة، المغامرة الربح والخسارة.. ويبدو أنه لا يخفي نيته في التنكر لمنقذه الليبي في صورة الاعتراف، يكمل:
“أما أنت يا منقذنا، أيها البدوي الليبي، فإنك ستمحى من ذاكرتي إلى الأبد، سوف لن أتذكر وجهك على الإطلاق، إنك الإنسان.. وتظهر لي بوجوه جميع الناس”، فهل كتب النكران لليبي منقذًا وضحيًّا؟


القنبلة الأولى

ارتبطت ليبيا بتاريخ الطيران ارتباطًا غريبًّا، فأول غارة جوية عرفها هذا العالم على الإطلاق، ألقيت على رؤوس أهلها، في عام 1911 وفي حملة احتلالها لليبيا، كانت إيطاليا على وشك بداية فصل جديد في تاريخ الحروب والفتك البشري، يسجل الطيار الإيطالي “جوليو غافوتي” -أول طيار حربي ينفذ غارة في التاريخ- ذكرياته مزهوًا:
“”إنها المرة الأولى التي سنحاول فيها هذا الأمر، وإذا نجحت، فسأكون سعيدًا حقًا لكوني أول شخص يفعل ذلك” يكمل لاحقًا “أنا مستعد. الواحة تبعد حوالي كيلومتر واحد. أستطيع رؤية الخيام العربية بوضوح تامٍّ… أمسك القنبلة بيدي اليمنى، وأنزع بطاقة الأمان، وألقي بالقنبلة للخارج”
على الجانب الآخر، مع الضحايا المنسيين، كان الصحفي البريطاني سيبينغ رايت حاضرًا يسجل مشاهداته عن الحدث التاريخي، وأول ضحاياه: أطفال ونساء، يكتب رايت: “مجرد التفكير عن ماذا سينجم عن هذا التطور بالنظر إلى التقدم التقني المستمر يهز الذهن ويشل حركة العقل، ما عرفته حتى الآن أنه حول حياة الناس بسواني بن يادم إلى دوامة من الفزع والقلق”

من مقتل بالبو إلى سيدة الخير.. ألغاز الحرب العالمية

في سنة 1940، بينما كانت إيطاليا بالكاد دخلت الحرب العالمية الثانية، كان بالبو يحلق بطائرته من طراز (Savoia-Marchetti SM.79) متوجهًا إلى مطار طبرق، في الوقت نفسه، كانت طبرق تعرضت لغارة جوية بريطانية، مما جعل الدفاعات الأرضية الإيطالية في حالة استنفار، وبين هذا وذاك، أصيبت طائرة بالبو وقتل هو وجميع الركاب الأربعة عشر على متنها، وحتى يومنا هذا ما تزال ملابسات الحادثة غامضة، هل كانت نيرانًا صديقة، أم حادثًا مدبرًا، أم سقوطًا على يد العدو؟.
بعد ذلك بثلاث سنوات، في أبريل 1943، انطلقت القاذفة الأمريكية “Lady Be Good” من طراز (B-24 Liberator) في أول مهمة لها لقصف مدينة نابولي الإيطالية، وفي طريق عودتها إلى ليبيا ليلًا اختفت وسط عاصفة رملية، متجاوزة قاعدة هبوطها المفترضة في بنغازي لتختفي في قلب الصحراء، ولم يعثر لها على أثر إلا بعد 15 عامًا حين عثرت بعثة تنقيب عن النفط تابعة لشركة BP على الطائرة ثم الجثامين بعد نحو عامين، ألهمت القصة كُتّابًا ومخرجين حولوا قصتها إلى أعمال فنية.

العدوان الإسرائيلي ومقتل وزير الخارجية الليبي

في 21 فبراير سنة 1973، بينما كانت طائرة الخطوط الجوية العربية الليبية في رحلتها رقم 114 المتجهة من طرابلس إلى القاهرة، ظلّت طريقها لتقترب من شبه جزيرة سيناء التي كانت آنذاك تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، وبالوحشية المعتادة، اعترضت طائرات حربية صهيونية طائرة الركاب الليبية وأسقطها في جريمة تسببت في مقتل 108 من ركابها، من بينهم وزير الخارجية الليبي صالح بويصير، وعدد من الشخصيات.
ومن بين 113 من الركاب وجلّهم ليبيون إلى جانب طاقم الطائرة الفرنسي وركاب من جنسيات متعددة، نجا 5 فقط، وكما جرت العادة، أنكر المسؤولون الإسرائيليون المسؤولية وقدموا روايات ومبررات متناقضة في الأيام الأولى، وبعد العثور على الصندوق الأسود، اعترف الكيان بمسؤوليته عن إسقاط الطائرة وأنها فعلت ذلك بتفويض شخصي من رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك دافيد إلعازار، وكشفت محاضر سرية بعد سنوات أن الحكومة الإسرائيلية رفضت إجراء تحقيق حول الحادث.

لامبرتس وبن عامر

في السابع من مارس/آذار 1978، قطعت الإذاعة والتلفزيون الليبيان بثهما لإذاعة خبر عاجل يفيد بسقوط مروحية عسكرية سوفيتية الصنع من طراز Mi-8، كانت تقل على متنها مسؤولين بارزين من ليبيا وألمانيا الشرقية وقتذاك. وقد أسفر الحادث عن وفاة جميع ركابها.

وكان أبرز الضحايا من الجانب الألماني فيرنر لامبرتس، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية، الذي كان يزور ليبيا بصفته مبعوثًا شخصيًا لزعيم الحزب إريش هونيكر، وكان التقى قبل تحطم المروحية برئيس الوزراء الليبي آنذاك عبد السلام جلود.

أما من الجانب الليبي، فقد كان من بين أبرز الضحايا طه الشريف بن عامر، أحد المسؤولين البارزين في وزارة الخارجية الليبية، إلى جانب عدد من مسؤولي الوزارة الذين كانوا يرافقون الوفد الرسمي. وكانت المروحية في رحلة داخلية متجهة من طرابلس إلى بنغازي، لكنها سقطت بعد دقائق قليلة من إقلاعها مساء السادس من مارس، في حادث ظلّت ملابساته غامضة.

اصطدام في الجو

رحلة داخلية أخرى أكثر مأساوية، كونها طائرة ركاب هذه المرة، ففي الثاني والعشرين من ديسمبر 1992، فجعت ليبيا بسقوط طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية العربية الليبية قرب منطقة سيدي السايح جنوب طرابلس.

وكانت الطائرة، من طراز بوينغ 727، في رحلة داخلية قبل أن تتحطم في منطقة سيدي السايح أثناء اقترابها من مطار طرابلس، ما أدى إلى مقتل 157 شخصًا وهم جميع من كانوا على متنها.

وأُعلن في البداية أن سبب الحادث يعود إلى خطأ في الملاحة الجوية أثناء الهبوط، غير أن التحقيق الرسمي أكد لاحقا بأن الطائرة اصطدمت في الجو مع طائرة مقاتلة من نوع MiG-23UB تابعة لسلاح الجو الليبي، ما أدى إلى سقوط طائرة الركاب ومقتل جميع من على متنها، فيما نجا الطياران على متن الطائرة المقاتلة بفضل الهبوط المظلي، وحتى يومنا هذا، ما تزال هذه الحادثة تثير تساؤلات وشكوكًا عدة.

الناجي الوحيد

فجر الثاني عشر من مايو 2010، استيقظت ليبيا على وقع واحدة من كوارث الطيران، عقب تحطم طائرة ركاب تابعة لشركة الخطوط الجوية الإفريقية قرب مطار طرابلس الدولي. وكانت الطائرة من طراز إيرباص A330-200 قد أقلعت من جوهانسبرغ في رحلة دولية متجهة إلى طرابلس، قبل أن تتحطم خلال مرحلة الاقتراب النهائي للهبوط، ما أسفر عن مقتل 103 من أصل 104 كانوا على متنها، ونجاة راكب واحد فقط، وكان طفلًا هولنديًّا برفقة والديه اللذين قضيا في الحادث..
ووفق التحقيقات الرسمية التي شارك فيها خبراء دوليون ونشرت نتائجها هيئة الطيران المدني الليبية، أُرجع سبب الحادث إلى خطأ بشري وارتكاب طاقم الطائرة لسلسلة من الأخطاء والقرارات غير المناسبة، دون وجود دلائل على خلل فني جسيم أو عمل تخريبي..
وقد خلّفت الحادثة صدمة واسعة داخل ليبيا وخارجها، وأُعلنت على إثرها حالة حداد، فيما أُعيد فتح نقاشات دولية حول إجراءات السلامة الجوية والتدريب، لتبقى كارثة 2010 علامة فارقة في سجل حوادث الطيران المدني الليبي.

سقوط أنتونوف في تونس

في حادثة ما يزال الغموض يلفّها، ولم تنل قدرًا كبيرًا من التغطية والتحقيق، أبلغت وسائل الإعلام التونسية عن تحطم طائرة عسكرية طبية ليبية من طراز أنتونوف 26 في منطقة قرمبالية جنوب العاصمة التونسية، الحادث الذي وقع في فبراير من عام 2014 أسفر عن مقتل جميع ركاب الطائرة وكان عددهم 11 شخصًا، كان من بين الضحايا جرحى وأطباء ومرافقون كانوا في مهمة علاجية بحسب سفارة ليبيا في تونس.

وكان من بين الضحايا مفتاح الذوادي، الذي تولى منصب وكيل وزارة رعاية الشهداء والجرحى في حكومة رئيس الوزراء عبد الرحيم الكيب، وكانت وسائل إعلام تونسية تداولت اسمه وسط مزاعم عن انتمائه لتنظيمات متطرفة.

تأتي فاجعة تحطم طائرة رئيس الأركان محمد الحدّاد ومرافقيه في تركيا، بكل ما رافقها من تساؤلات تقترب من الموضوعية تارة وتبتعد عنها أخرى، وبحجم الاهتمام التضامن والحزن الذي خيم على البلاد على مختلف المستويات، لتعيد إلى الواجهة الأسئلة التي رافقت حوادث كثيرة شهدتها البلاد، أودت بحياة مسؤولين ومواطنين وزوار في حوادث طيران مختلفة الظروف.

لا تصنف الهيئات العالمية ليبيا بلدًا يشهد معدلات حوادث طيران عالية، وحسب قاعدة بيانات Aviation Safety Network فإن ليبيا سجلت 680 حادثًا جويًّا يشمل حوادث بمختلف أنواع الطائرات أدت إلى 1225 حالة وفاة، بما في ذلك حوادث مدنية وعسكرية وطائرات صغيرة وغيرها، كما كان مواطنون ومسؤولون ليبيون ضحايا لحوادث خارج أجواء البلاد، كان آخرها حادثة أنقرة.

تقرير | خليفة البشباش

Total
0
Shares
مقالات ذات صلة