كشف تقرير دولي موسّع صادر عن فريق “ذا سينتري” (The Sentry) عن تفاقم اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا ليصل إلى أكثر من 20 مليار دولار خلال 3 سنوات، ما يقدّر بـ6.7 مليار دولار سنوياً.
وأشار التقرير إلى أن عمليات التهريب أصبحت شبكة منظّمة ذات امتدادات داخلية وخارجية، تشمل مجموعات مسلحة محلية، وأطرافاً إقليمية، وشبكات جريمة منظمة في جنوب أوروبا، مشيرا إلى أنه في عام 2021 تبناه كبار حكام ليبيا فعليًا كجزء من إستراتيجية منهجية أوسع نطاقًا لاستنزاف ثروات هائلة من السكان.
وأوضح التقرير أن عمليات التهريب توسعت بين عامي 2022 و2024 بشكل غير مسبوق، مستفيدة من الانتفاخ الكبير في برنامج دعم الوقود، ومن آلية مقايضة النفط الخام بالوقود المستورد التي تعتمدها المؤسسة الوطنية للنفط، والتي سمحت – وفق التقرير – بإخفاء بيانات مالية أساسية وخلق بيئة مناسبة لتمدد النشاط غير القانوني.
صدّام حفتر متّهم
وأشار التقرير إلى أن شبكات موالية لصدّام حفتر أصبحت اللاعب الأكثر نفوذاً في شرق وجنوب ليبيا، حيث سيطرت على الموانئ والطرق والمستودعات، وفرضت أنماطاً منظمة لتهريب الوقود إلى تشاد والنيجر والسودان، إضافة إلى تموين قوات روسية في الجفرة وبراك، وقوات الدعم السريع السودانية بآلية وصفها التقرير بأنها “تزويد منهجي” بدفع إماراتي.
وكشف التقرير عن استخدام مسارات بحرية لتهريب الوقود إلى مالطا وإيطاليا وتركيا وألبانيا ما يسمح بإعادة تصدير الوقود المهرب تحت غطاء تجاري أو عبر عمليات تبديل في المياه الدولية، في انتهاك مباشر للعقوبات البحرية.
كما أشار إلى حالات ضبط نوعية مثل شحنة “كوين ماجيدا” إلى ألبانيا عام 2022، وسفينة “أريستو” التي أوقفتها إيطاليا عام 2023.
وفي المقابل، تناول التقرير بتفصيل أكبر تصاعد التهريب في المنطقة الغربية، حيث وصف ممر زوارة – الزاوية – جنزور – طرابلس بأنه أحد أكثر المراكز نشاطاً للتهريب البحري في ليبيا.
وأكد وجود شبكات تهريب “منسّقة جيداً” تستخدم نقاط تحميل ساحلية و”موانئ داخلية” لتجميع الوقود قبل شحنه إلى عرض البحر، عبر قوارب سريعة من نوع RHIB تتولى نقل الوقود إلى سفن أكبر.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن أرباح التهريب في غرب وشرق ليبيا تُستخدم في غسل الأموال وتمويل نشاطات موازية تشمل شراء معدات عسكرية، ودعم شبكات تهريب البشر، وتوسيع النفوذ المحلي للمجموعات المسلحة المسيطرة على نقاط الإمداد.
وشدّد التقرير على أن تهريب الوقود أصبح “خطة اقتصادية موازية” تستنزف الخزينة الليبية، وترفع معدلات التضخم، وتعمّق الفجوة التنموية بين المدن الساحلية والمناطق الطرفية التي تعاني نقصاً حاداً في الوقود.
وأكد التقرير أن واردات شركة النفط الوطنية من الوقود ارتفعت من نحو 20.4 مليون لتر يوميًا في أوائل عام 2021 إلى ذروة تجاوزت 41 مليون لتر يوميًا بحلول أواخر عام 2024، موضحا أنه لا يمكن لأي زيادة حقيقية في الطلب المحلي على البنزين المكرر، أن تبرر مثل هذه الزيادة الكبيرة، ومؤكدا أن أكثر من نصف البنزين المكرر المستورد قد تم بيعه من قبل شبكات إجرامية لتحقيق ربح خاص.
وأوصى التقرير بضرورة فرض رقابة دولية على برنامج الدعم وآليات الاستيراد، وإنشاء آلية شفافة لمتابعة تدفقات الوقود داخلياً، وفرض عقوبات على شركات وشخصيات متورطة في النقل البحري غير القانوني، إضافة إلى فتح تحقيق شامل في دور شركات أجنبية تعمل في استيراد الوقود إلى ليبيا.
بن قدارة في الواجهة
ويقول التقرير إن التهريب لم يحرم البنك المركزي الليبي من عائدات الدولار الحيوية فحسب، بل قوض أيضا نزاهة المؤسسة الوطنية للنفط، التي تشكل صادراتها من الهيدروكربونات كل دخل ليبيا تقريبا.
وقال التقرير إن الزيادة الكبيرة في واردات الوقود حدثت خلال رئاسة فرحات بن قدارة للمؤسسة الوطنية للنفط والذي ترك منصبه في يناير بعد 30 شهراً في المسؤولية.
ولفت التقرير إلى أنه رغم إعلان المؤسسة الوطنية للنفط تخليها عن نظام المبادلة في مارس 2025، وانخفاض جودة الوقود المستورد من يناير إلى سبتمبر بنسبة 8% مقارنةً بالعام السابق، فإن الخبراء يقولون إن ليبيا لا تزال تستورد كميات وقود تفوق احتياجاتها بكثير.
المصدر: “ذا سينتري” (The Sentry)